لمسات بيانية (2): وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ

أيها القارئ إننا ندعوك باحتفاء وتلطف، إلى بيان آية من سورة الزخرف، إنها الآية التي يقول الله فيها: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [61]. كثير من المفسرين قالوا إن الضمير في (إنه ) يعود إلى (عيسى بن مريم) المذكور في قوله تعالى قبل ذلك: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) [57].

وليت شعري ما الذي دعاهم إلى ذلك وما الذي خدعهم بذلك؟ إنه الوهم الذي تسرب إلى أذهانهم من الإسرائيليات بأن المسيح عليه السلام عائد إلى الدنيا وأنه حي وما مات. ولعمري إنها لفرية انخدع بها الغافلون من ضعفاء المسلمين الذين لم يتأملوا القرآن المبين ولم يتمعنوا في كلام رب العالمين، الذي يقول مخاطباً لخاتم النبيين، وهو خطاب للناس أجمعين: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ) [الأنبياء:34].

والنكرة في سياق النص تفيد العموم فلقد عمت كلمة (لبشر) كل الناس بلا استثناء، ولو كان المسيح مستثنى من البشر، لأوضحه الله ولكنه أكد موته فقال: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). لقد توفاه الله ورفع جسده إليه ليطهره من الكافرين، وحماه من الذين أرادوا قتله وصلبه حاقدين، فهو ميت وليس من الخالدين.

 وعليه: فإن عيسى عليه السلام لن يعود إلى الحياة إلا في يوم البعث والقيام، واقرأوا الدليل في قول الجليل: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). إذن فالمتبعون له لن يجدوه إلا يوم القيامة، فلن يروه في الدنيا ولن يكون لهم على الساعة علامة، ثم اقرأوا قول الله في ختام الآية: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ). فلم يقل إن الحكم بينهم سيكون حين يعود المسيح وينزل في الدنيا، بل إن الحكم بينه وبين الماكرين به إنما سيكون في الأخرى، وهذا يؤكد أنه لن يعود في الدنيا أبداً.

فكيف يقول الناس: إنه علم للساعة، إنه كلام لا يقوله إلا الذي لا يعرف اللغة وليس له من لبنها رضاعة، ولا يزجيه للناس إلا فاسد البضاعة. وكيفلا والله يقول عن المسيح ما يحكيه المسيح عن نفسه (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [مريم:33].

إنه تحديد لمراحل رحلته في الوجود بثلاث نقلات لا تزيد فهو كغيره من الناس، ولادة ثم موت ثم بعث، وليس قبل الآخرة خلود، ولو كان له حالة زائدة أو حياة خالدة لقال الله: والسلام علي يوم ولدت (ويوم أعود) ويوم أموت ويوم أبعث حيا، لأن الله لا يفرط في الكتاب من شيء ولا يخفي على الناس من الحقائق الضرورية شيئا، فكيف يخفي على الناس عودة المسيح بن مريم. إن هذا لا يليق بالله الذي يعلم ما لا نعلم، ومن ادعى علماً لم يأته من الله فقد افترى وأجرم، وهو في الناس الأضل الأظلم،

 ثم إن أردتم المزيد من التأكيد على أن المسيح لن يعود، فإليكم الخبر الشافي المفيد، إنه اجتماع للرسل أجمعين أمام رب العالمين، ملك يوم الدين، في هذا اليوم يُوجَّه إليهم السؤال عن نتائج الإرسال، فاسمعوا الكلام باهتمام، واصغوا لقول الله العلام (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ) [المائدة:109].

ثم يتوجه الكلام في ذلك اليوم إلى عيسى بن مريم من ربه الذي أرسله وهو به أعلم، فيذكره بالذي أعطاه له ربه وعليه وعلى أمه أنعم، وهو كلام حق لا ينكر وهو واقع محتم، ولهذا فإن عيسى لا يجيب ولا يتكلم لأنه يدري أن قول الله الحق وهو الأعلم. إنه حوار يدور في يوم القيامة فيه تذكير بأحوال ونعم نالها وعايشها رسول الله عيسى في حياة واحدة في الدنيا، فلو كان له عودة لذكرت في هذا الحوار الرباني الأعظم مع عبده عيسى بن مريم، ولو كانت له حياة ثانية ونزول قبل يوم القيامة لأوضحها الله العليم الجليل في هذا الحوار الجميل.

ثم لماذا نتوه وننساق في التطويل، والكلام بين أيدينا يحسم الجدال ويفحم الضلال، ذلك هو ما يقوله يوم القيامة ذو الجلال، موجها إلى رسوله عيسى هذا السؤال: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة:116و117].

 إن هذا السؤال والجواب لا يدل إلا على حياة واحدة لعيسى بلا شك وبلا ارتياب. فلو كان له عودة إلى الدنيا قبل يوم القيامة لما صح أن يوجه إليه هذا السؤال من ربه ذي الجلال، فهو يعلم أن الذين جعلوا عيسى إلهاً قد ضلوا منتهى الضلال، وأنهم سيبقون على ضلالهم إلى يوم القيامة، ولقد استمروا كذلك بلا جدال، ولهذا صح توجيه السؤال إلى عيسى عليه السلام فكان جوابه هو الحق الذي يجب أن يقال.

وعليه فإن القول بعودته إلى الدنيا قبل يوم القيامة هو الغفول الذي يتبع الظنون، فلا دليل له إلا الغوى، ولا علم لديه إلا الهوى، فليس عيسى علماً للساعة، ولن يعود قبلها ولو حتى بنصف ساعة، بل هو إنسان كغيره من الرجال، كما أخبر الله عنه وقال بحصر وقصر يقفل الجدال: (إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) [59] أفهمتم ما قاله ذو الجلال؟ لقد وصف الله عبده عيسى بأنه لبني إسرائيل مثال، والله قادر على أن يخلق ما يشاء في كل حال،

ولهذا أردف الآية بالبيان فقال: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ) [60] أي لو شاء لجعل بدلاً عن الناس في الأرض ملائكة يعيشون فيها ويموتون فيها ويخلف بعضهم بعضاً كما هو حال الناس في هذه الدنيا، فكيف لا يقدر أن يخلق عبداً من عباده بلا أب ولكن بأم، ألم يخلق من التراب آدم؟ فكيف تستنكر حال عيسى بن مريم؟! وعلى هذا الأساس جعله الناس إلهاً فضلوا وعلى ضلالهم جادلوا، وفي الخصام العنيد استرسلوا، وللعقول بالباطل أبطلوا.

بهذا أكتفي في التدليل على عدم عودة عيسى إلى الدنيا ولو استرسلت لطال الكلام وثقل على القراء، ولكني رغم ذلك قد أسمعهم يقولون: إذا كنت تقول: إن قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) لا تخص عيسى ولا يعود إليه الضمير. فإلى أين يعود الضمير في قوله (وإنه) مع أن الذي يسبق الضمير في الآية إنما هو اسم عيسى عليه السلام، والمعروف لغوياً أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور. نعم قد يقول البعض هذا المقال وهو متوقع لمن تعود على اتباع الأقوال، واعتمد على المنقول، وهجر العقل والمعقول، لكن المتأمل بإمعان والمتمرس بأساليب البيان، يدرك أن الضمير في الآية يعود إلى القرآن. ولي على ذلك أدلة راسية البنيان، قوية البرهان:

الدليل الأول:

اقرأوا معي بقية الآية وما بينها: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ*  وَلا يَصُدَّنَّكُمْ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [61و62]. إن النهي عن الامتراء في الساعة يدل على أن المراد أن القرآن الكريم المنزل من الله العليم، فيه علم بل هو العلم للساعة فلا يصح ولا يقبل بعده الامتراء بها، ثم لا يصح أبداً من المسلم المتبع للرسول الأمين الصادق، أن يبعده الشيطان عن اليقين بالساعة فإنه رجيم مارق، هذا أول الأدلة فهو يؤكد أن القرآن فيه العلم اليقين بالساعة، وهو علم من الله الذي عنده علم الساعة، فلا يمتري بها إلا خاسر البضاعة.

الدليل الثاني:

فهو قوله تعالى بعد ذلك: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ) . . الخ الآية 63. إن ذكر اسم عيسى ظاهراً غير مضمر يدل على أن ما جاء من آيات تتحدث عن عيسى قبل هذه الآية وبعدها قد دخلها وقد طرأ عليها استطراد عن موضوع آخر هو موضوع الساعة والتي تبدأ بقوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) إنها الآيتان 61و62 التي تنتهي بقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). إن هذا الاستطراد الجملي خلال الآيات المتحدثة عن عيسى قد أوجب إعادة اسم عيسى ظاهراً غير مضمر فقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ . . الخ).

ولو كانت الآية التي نحن بصددها وهي : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) تعني المسيح لما احتاج الموضوع إلى ذكر اسم عيسى ظاهراً بل كان يكفي أن يقول: (وَلَمَّا جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ) بالضمير فقط وذلك على فرض أن الضمائر كلها تعود إلى عيسى، لكن لما كان ضمير (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) لا يعني عيسى بل يعني القرآن، كان لا بد أن يعاد اسم عيسى وبشكل ظاهر غير مضمر ليدل على أن الكلام عاد إليه بعد انقطاعه عنه بالاستطراد عن الساعة، أليس هذا ما يدل على ما ذهبت إليه.

وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية لا يجهله أحد، ثم لكي تتأكدوا من جديد بأن عيسى إلى الدنيا لن يعود، فاقرأوا بقية الآيات بعناية من أولها إلى النهاية لتجدوا أن من خالف من الأحزاب، موعودون معه جميعاً إلى يوم الحساب، وفي هذا فصل الخطاب، فلنقرأ معاً بعناية من أول الآيات إلى النهاية، (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [63و64]. هذه هي عقيدة عيسى ودعوته فليس ابناً لله ولا إلهاً بل عبدٌ يدعو قومه إلى عبادة الله ربهم وربه.

فماذا حدث بعد هذا: (فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [65] فمتى هذا اليوم؟ وماذا ينتظر القوم: (هَلْ يَنظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [66] إن الموعد المنتظر للجميع إنما هو قيام الساعة لا قبلها، فمن يدعي عودة المسيح كذاب، وهو من جملة الأحزاب الذين اختلفوا فيما بينهم، فالويل لهم من عذاب ربهم، فالساعة تبغت المنتظرين لعيسى والعذاب يبهت من افترى.

إن هذه الآيات تمحو لكل قائل أوهامه، فلا عودة لعيسى قبل يوم القيامة. إن الله يقول: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) بسكون اللام في كلمة (عِلْم) ولم تكن بفتح اللام كما يدعي أولوا الأوهام، فالعِلْم بالساعة خاص بالله وهو عنده لا سواه، ولكنه رحمة بالعباد جعل القرآن يحتوي على بعض ما يجري لهم يوم المعاد، وبشكل مجمل قليل، وليس موغلاً في التفصيل، ذلك أن علم الساعة عظيم مهيل لا يحيط به إلا الله الجليل، ولهذا جاءت كلمة عِلْم في الآية نكرة لتدل على التقليل (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) إنه علم قليل ولكنه عظيم مهيل، والارتياب به وبيل، فيجب التصديق واليقين لأنه نبأ عظيم من الله رب العالمين، ملك يوم الدين، واليقين بيوم الدين هو طريق المفلحين.

أما الدليل الثالث:

هناك دليل ثالث فيه الإيضاح فلنعد إلى بداية السورة والافتتاح، فإن فيها الدليل والمفتاح، ولنقرأ قوله تعالى (حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) [1-4].

إن السورة واضحة البيان من بدايتها بأن القرآن موضوعها في بدايتها ونهايتها، بل وفي ثناياها وأوسطها فلقد جاء في وسطها: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ). ثم قال: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ).

وعلى هذا الأساس سيقت بعد هذا قصة فرعون مع موسى حتى انتهت بقوله عن المكذبين والمشركين بالله: (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلْآخِرِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلْآخِرِينَ). ثم قال: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) إذن فهو قصص يؤكد على وحدانية الله وأنه لا يعبد سواه. وهنا يأتي الاستطراد عن القرآن بقوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ). ثم عاد من جديد ليتحدث عن عيسى فأعاد اسمه الظاهر ليؤكد أن الكلام قبل هذا قد انقطع بالاستطراد فقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ). . الخ.

ولكنه هنا في هذا المقطع المستأنف أكد على قضية التوحيد بشكل شديد فورد عن عيسى قوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). إن كلمة (هو) في قوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي) لم تأت في غيرها في أمثالها من قول عيسى لقومه،  فلقد وردت في آل عمران وفي سورة مريم بدون (هو) مما يدل على أن التأكيد هنا شديد وأن القصة مسوقة لتأييد أن الله لم يجعل من دون الرحمن آلهة يعبدون،

وهكذا تستمر الآيات، لتصل إلى الإخبار عما سيحدث يوم الحساب لمختلف الناس والأحزاب وتبدأ بقوله: (الأخلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ) حتى يقول عن أهل الجنة: (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ). ثم ينتقل إلى الإخبار عن المجرمين حتى ينتهي بقوله: (وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ).

وبعد: أليس هذا (علم للساعة)؟! أليس هذا ما يؤكد على أن القرآن فيه علم الساعة المشتمل على البيان الذي لا يعلمه الإنسان إلا من ربه الرحمن والذي تفضل به وفصله في القرآن.

 وإذا جلنا سريعاً في هذا الكتاب العزيز وبإمعان سنجد علم الساعة والخبر قد ورد في كثير من السور، ليعتبر من اعتبر، وليتذكر من تذكر، وليكون الناس على علم يقين بها ليستعدوا لقدومها. ولن أعدد كل السور، كلا بل أختار التي كان العلم بالساعة واضحاً في اسمها، ومنها: الواقعة، القارعة، الحاقة، التكوير، الانفطار، المدثر، القيامة، الزمر. بل وهناك: النبأ، والنازعات، والإنسان، والمرسلات. هذه نماذج من السور التي كان للساعة فيها علم مكرس مكرر، وهناك سور أخرى لم تخل عن التذكير بالأخرى، ولم تخل عن علم للساعة وتكريس للذكرى.

فهل بعد هذا تأكدتم أن القرآن علم للساعة وبيان؟! وأنه لولا القرآن لما علم بها الإنسان؟ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). فهل بعد هذا البيان اتضح الأمر لكم أيها الإخوان؟

 والآن وبعد التأكد أن الضمير في الآية التي في سورة الزخرف هو للقرآن أنتقل بكم إلى سؤال قد يخطر بالأذهان :هل هناك سور أخرى يعود فيها الضمير للقرآن بهذا الأسلوب وبهذه الصورة التي جاءت في سورة الزخرف؟ والجواب هو نعم، وبشكل واضح لن يفهم.  

لنقرأ البقرة لنجد قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) [121]. ومع أن آخر ذكر للقرءان يبعد آيات كثيرة عن هذه الآية، لكنّ الضمير في قوله (يتلونه حق تلاوته) يعود للكتاب الذي لأهل الكتاب، أما الضمير في قوله: (يُؤْمِنُونَ بِهِ) وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) فإنما يعود للقرآن، فمعنى الآية أن الذين يتلون الكتاب المنزل قبل القرآن تلاوة الحق واليقين يعلمون أن هذا القرآن من نفس المشكاة فهم به يؤمنون.

ولنقرأ في سورة الأنعام آيات يعود فيها الضمير إلى القرآن مع أنه لم يذكر بلفظة قبلها بل بمعناه ومع ذلك عاد إليه الضمير فلنقرأ مثلاً : (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [51](قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) [57](وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) [66]

ولنقرأ في سورة هود لفتة سريعة عن القرآن خلال الحديث عن نوح فقال قبل أن تنتهي قصة نوح بل في بدايتها بشكل مفاجئ: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) . .  ثم عاد من جديد ليواصل الحديث عن نوح، وإذا كان في سورة الزخرف قد جاءت الآية منفردة فلقد عاد الضمير في آية هود إلى القرآن خلال آية لم تكتمل بعد.

ولنقرأ في سورة يوسف قوله تعالى: (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [104]. فإلى أين يعود الضمير؟ لا شك أنه إلى القرآن، مع أنه لم يذكر إلا في أولها (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، بل وفي سورة الحج ورد قوله: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)[16]. في حين لم يتقدم في السورة أي ذكر للقرآن بلفظة.

بل لقد اختتمت سورة مريم بقوله: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) [97] فالضمير في يسرناه يعود للقرآن، مع أنه لم يسبق له ذكر في السورة بلفظه بل بمعناه وفي مواقع متباعدة وختمت سورة ص بقوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [86و87] مع أن القرآن لم يذكر إلا في أولها، (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)[1]

وجاء في أواخر سورة يس قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) [69]مع أنه لم يذكر إلا في أولها فكيف عاد الضمير بعد هذه الآيات المتوالية؟ ولن أطيل التمثيل، فالموضوع واضح لمن تأمل التنزيل؛ لكني أنبه إلى أنه قد جاء الحديث عن القرآن بشكل مفاجئ في سورة القيامة بدون أي ذكر له فيها ولا علامة، (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [16-19]. بل جاءت سورة كاملة وبدأت بالضمير من البداية ولم يذكر فيها القرآن ولا قبلها، وكأنها تقول: إن القرآن هو الذي لا يخفى على أولي الدراية، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فإلى أين يعود الضمير في أنزلناه؟ إنه إلى القرآن بلا شك.

 فكيف نستغرب ونضطرب في الضمير الذي في سورة الزخرف؟ إن الاضطراب إنما هو قصور عن فهم القرآن، وانحياز إلى الوهم بدون برهان، وإعطاء لعيسى ما لم يقل به الرحمن، فهو ليس علم للساعة ولكنه كما يقول الله عنه في نفس السورة: (إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) [59].

وبعد: فهذا تنبيه احتوى على تصحيح لقضية عيسى بن مريم وتصحيح لمعنى الآيات وتوضيح لأسلوب القرآن الذي جاء بالبينات. وعليه: فإن عودة عيسى بن مريم إلى الدنيا أمر متوهم، ألقاه اليهود في أذهان من لم يفهم، ولم يقدر ربه الأكرم، ولا تدبر القرآن ولا تعلم. لكن من تدبر فإنه يعلم علم اليقين بأن عيسى بن مريم رسول قد خلت من قبله الرسل، وهو قد خلا مثلهم ولن يعود إلا يوم يقوم الناس كلهم ليوم المعاد، وفيه سيسأل أمام الأشهاد، وسيجيب بما يدحض كل الأوهام والعناد، ويوضح الأمر للغافلين من العباد، الذين اتخذوا الأهواء آلهة تعبد، وجعلوا العباد أنداداً لله الواحد الأحد، تعالى الله وتمجد (لا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص:88].

فهل بعد هذا البيان يرتاب أولوا الألباب؟ وهل بعد آيات القرآن يتردد عقل أو يرتاب؟ كلا كلا، إنما هو الحديث الذي يصدق، واليقين الذي يهدي إلى الحق، (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ).