هل عاش نوح ألف عام؟ وكيف؟

هذا سؤالٌ بقيت أسأله كلما قرأت الآية الواردة في سورة العنكبوت (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).

إن السؤال مني لا يعني الارتياب في كلام الله؛ حاشا الله؛ ولكنه سؤال بحثٍ واستئناسٍ، عسى أن أجد سبيلاً يعيد الأمر إلى المعهود من شأن البشر، والمعهود من سنن الله التي لا تتغير؛ ألم يقل الله: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا) ﴿فاطر: ٤٣﴾

وهكذا وردت مثل هذه الآيات في كثير من السور، وهذا يعني أن سنة الله في البشر لا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول سواء في الأعمار أو في القدرات أو الصور، فالإنسان هو الإنسان، في كل زمانٍ ومكان، عمره محدود معروف وحجمه محدود معروف، وطوله وعرضه كذلك فلا اختلاف إلا في الألوان والألسنة واللغات أما في الصور والأطوال والأعمار فإنهم متقاربون ولا تفاوت بينهم في ذلك إلا بمقدارٍ يسيرٍ وهذا هو ما يشير إليه الله الخالق بقوله: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ” ﴿الروم: ٢٢﴾

إذن فكيف جاء التفاوت الواسع بين أعمار البشر المعروف لنا عبر العصور وبين عمر نوحٍ الذي هو واحد من البشر؟ إنه سؤالٌ يتكرر في ذهني، فهل أنا مرتابٌ في كلام الله علام الغيوب؟.

إن المحدود الفهم قد يقول ذلك عني، وبذلك قد يتهمني، ولكني أقول له: مهلاً  يا أخي لا تتعجل ، فمن حق الإنسان العاقل أن يسأل، والله قد خلق الإنسان بسمعٍ وبصرٍ وفؤادٍ لكي يفكر وفي آيات الله يتأمل.

فتعالوا نتفكر ونتأمل، عسى أن نجد في الآيات ما يجيب على السؤال؛ لا بد أولاً أن نسأل: هل كان قوم نوحٍ مثله معمرين إلى ألف سنة أو يزيد أو ينقص؟.

إن الآيات القرآنية لم تصرح بذلك، ولم تجعل لهم ميزة يمتازون بها على غيرهم في الخلق أو في أي شيءٍ آخر، بينما أشارت الآيات إلى غيرهم بإشارات تميزهم عن سواهم وأهم أولئك عادٌ وثمود وفرعون:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) (الفجر:6)

لا تلاحظون أن لكل قومٍ من هؤلاء ميزة يمتاز بها ، وعادة يعرف بها، بينما ذكر نوح وقومه مع هؤلاء وغيرهم في مواقع أخرى متساوين؛ (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿١٣﴾وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴿١٤﴾)” (ق)

إن الآيات لم تذكر ميزة لقوم نوح إلا أنهم هم أظلم وأطغى، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ) ﴿النجم: ٥٢﴾.

ثم إن الله يوضح لنا في سورة الأعراف أن قوم عاد امتازوا بميزة لم ينلها قوم نوح من قبلهم، فإن هوداً يقول لقومه مذكراً: (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّـهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )﴿الأعراف: ٦٩﴾

أليس في زيادة قوم عادٍ بسطة في الخلق يدل على أنهم في الحجم أقوى وأكبر من قوم نوح؟! ومع ذلك لم يعرف عن قوم عادٍ زيادة في الأعمار على سواهم. إذن فإن قوم نوحٍ لم يعمروا أكثر من عمر غيرهم من البشر المعهود في سنن الله التي لا تتغير، ولتأكيد هذه الحقيقة فإننا نجد في كثير ن الآيات ما يخبرنا بميزاتٍ امتاز بها السابقون كلهم ليس منها طول العمر، فمثلاً يقول الله:

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)﴿الروم: ٩﴾.

ويقول:  (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير)ِ﴿سبإ: ٤٥﴾. ويقول: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)﴿غافر: ٨٢﴾.

إن الامتياز الذي ناله المذكورون محصورٌ في القوة والكثرة في الأموال وفي العدد والكثرة في الآثار، وليس هناك كثرة في الأعمار؛ إذن فإن سنة الله لا تتغير في البشر عبر العصور، وأعمار الأولين لا تزيد ولا كانت أكثر على أعمار المتأخرين، وهذا هو الذي تؤكده الآيات ويجب أن نؤمن به ونعلمه علم اليقين إن كنا نقدر الله حق قدره ونعظم الله رب العالمين الذي يقول: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ) ﴿الملك: ٣﴾

وهكذا يتضح لنا أن قوم نوحٍ لم يعمروا أكثر من غيرهم من الأمم السابقة أو اللاحقة، ولتأكيد ما سبق أضيف أدلةً أخرى؛ ففي سورة المؤمنون وردت آيات قوم نوح حتى انتهت بهلاكهم، ثم جاء قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)

ثم جاء بعدها قوله تعالى: ( ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) .إن الآيات بكاملها تدل على أن قوم نوحٍ كسواهم، بل إن كلمة (قرناً آخرين)، تشير إلى أن قوم نوحٍ لم يزيدوا على قريش أو لم يحتلوا من الزمن أكثر من قرنٍ مثل غيرهم من القرون السابقين أو اللاحقين.

إن الآيات بكاملها تدل على أن قوم نوحٍ كسواهم، بل إن كلمة (قرناً آخرين)، تشير إلى أن قوم نوحٍ لم يزيدوا على قريش أو لم يحتلوا من الزمن أكثر من قرنٍ مثل غيرهم من القرون السابقين أو اللاحقين.

وإذا عدنا إلى سورة نوحٍ فسنجده يقول لقومه: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢﴾ أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿٣﴾ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّـهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾)

فقوله: (ويؤخركم إلى أجل مسمى) يدل على أن أعمارهم قليلة، ولو كانوا يعمرون ألف سنة لا يحتاجون إلى هذا الوعد الجميل لذي يستبشر به الناس المتطلعون إلى زيادة الأعمار، وعلى أي حالٍ فإن قضية اتفاق أعمار البشر في كل عصرٍ أمرٌ مفروغٌ منه، وعلى هذا فكيف عاش نوحٌ ألف عام في قومٍ لا يعمرون هذا المقدار من الأعمار؟ ولماذا؟.

لقد قيل إنه كان ينذر القوم ويكذبون ويموتون، ثم يأتي بعدهم آخرون ويكذبون ويموتون وهكذا حتى توالت القرون عليه وهم يكذبون حتى قال داعياً ربه: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا )

 وهذا زعمٌ لا دليل عليه فالله يقول: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) فيضيف القوم إليه، ولا يمكن أن يكون هذا التعبير إلا للقوم المعاصرين لا للقوم الغابرين واللاحقين ثم إنه يقول في آية العنكبوت التي يدور الحديث حولها:

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)، فكلمة  (لبث فيهم) تدل على أن القوم هم القوم ليس هناك قومٌ مضوا وآخرون ولدوا كما يقال،،، ثم تأملوا (فأخذهم الطوفان وهم ظالمون)، فالطوفان أخذ نفس القوم الذين لبث فيهم نوح ولم يكن هناك قومٌ مضوا وقومٌ أخذوا حاشا فهذا لا يليق بعدل الله فلم يأخذ العذاب إلا الظالمين، ثم إن الضمير في “أخذهم” يعود إلى الذين كذبوا نوحاً، وهكذا نجد القضية في كل الآيات التي وردت فيها قصة نوح.

في سورة المؤمنون (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون). 

إن الآية الأخيرة تؤكد أن الملأ الذين كفروا من قومه هم الذين شكى منهم وطلب النصر عليهم لأنهم كذبوه فالضمير يعود إلى الملأ بلا شك، فماذا حدث؟.

(فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ).

وهكذا في سورة الأعراف فبعد ذكر الملأ تمضي الآيات حتى يقول الله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ). 

 أليس الضمير في كذبوه وكانوا وعمين يعود إلى الملأ المذكورين؟. بلى فهذا هو شأن اللغة بل كل اللغات، وكذلك في سورة هود: (وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴿٣٦﴾ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ).

أما في سورة يونس فسنجد حقيقة تدل على أن أعمار قوم نوح كانت كمن جاء بعدهم أو قبلهم، يقول الله: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) .

إن كلمة (جعلناهم خلائف) تعني أن الأمم التي جاءت بعدهم هي منهم، ولو كان قوم نوح أصحاب أعمار طوال لكان هذا شأن من جاؤوا بعدهم خلائف، لكن ذلك لم يكن ولم تطل أعمارهم بل لقد جاء في سورة الحاقة قوله تعالى مخاطباً لنا: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). 

فنحن المحمولون على الجارية التي صنعها نوح، فكيف هي أعمارنا الآن؟ إنها كما تعرفون، فلا تبديل لسنة الله. وفي سورة يس~ يقول الله مخاطباً الناس الذين بعث إليهم محمد رسول الله وخاتم النبيين: (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿٤١﴾ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ).

ألا يكفي هذا السرد المسترسل دليلاً على أن أعمار قوم نوحٍ كانت كمن جاء بعدهم، ومن كان قبلهم، فسنة الله لا تتبدل ولن تتحول، فهل ينكر هذا من له قلبٌ يعقل؟.

وبعد هذا الاسترسال؛ نعود إلى السؤال الذي يلح علينا وعلى كل الأجيال، والسؤال هو: كيف عاش نوحٌ ألف عام؟. ولماذا هذا اللبث الطويل ما دام قومه مثل غيرهم من الأقوام ليس لهم عمر طويل؟.

إذا قلنا مثل من قال أنه كان ينذر القوم فيكذبون ويموتون ثم يأتي قومٌ آخرون فينذرون ويكذبون ويموتون وهكذا حتى توالت القرون ونوحٌ قائم ينذر السابقين واللاحقين؛ إذا قلنا هذا فإن إهلاك اللاحقين بذنوب السابقين لا يليق بعدل الله أحكم الحاكمين، هذا أولاً. ثم إذا قلنا غير هذا فإن رحمة الله لا ترضى أن يعذب رسوله الكريم هذا العذاب الأليم، فإن بقاء الرجل هذا العمر الطويل لا يعتبر إلا نوعاً من التكليف لا يطاق، وهذا أمرٌ قد نفاه الله عن نفسه فقال:( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)

بل وعلمنا أن ندعوه بقوله: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا).

يا أيها القارئ الحصيف تصور معي حالك وأنت تعيش ألف عام، وأنت ترى الناس من حولك يموتون ويأتي بعدهم قومٌ آخرون ويموتون، وأنت ترى ذلك وتعيشه مدى الأعوام؛ ألا يداخلك السأم والملل والذعر والوجل والنكد والهم والحزن والغم؟!.

بلى إن ذلك مؤكدٌ محتمٌ، هذا وأنت لم تتكلف بإنذار هؤلاء الغابرين والقادمين وهم يكذبون ويستهزئون، فكيف وأنت تعاصر كل قادمٍ وتدعوه فيغادرك مكذباً يستهزئ، ثم يأتي القادم الجديد فإذا هو كسابقه مكذبٌ ساخر!!؛ إن هذا والله هو العذاب الشديد، فكيف رضاه الله لرسوله الرشيد؟، وهو الله الرحيم الودود، إذن فكيف عاش نوحٌ ألف عام في قومه؟ وكيف نفهم آية سورة العنكبوت؟.

لنعد إلى القرآن عسى أن نجد من الآيات الجواب الذي فيه البيان، ويتفق مع رحمة الله الرحمن، ومع سنن الله التي لا تتبدل مدى الزمان؛ فباسم الله نستقر الآيات عسى أن نصل إلى الجواب الصحيح..

إن الله يقول: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما). فلماذا هذا التخالف في التعبير عن المدة؟. (ألف سنة إلا خمسين عاماً) لماذا لم يقل ألف سنة إلا خمسين سنة؟. أو ألف عامٍ إلا خمسين عاماً؟.

إن في التخالف مدخلاً لفهمٍ آخر جديد للآية، فكيف نفهم؟ وما هو المفهوم الأسلم؟. لو عدنا إلى سورة يونس لوجدنا الله تعالى يقول: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ).

تأملوا قوله عن القمر بأنه: (قدره منازل) لماذا؟ (لتعلموا عد السنين) ومن المعروف أننا بهذا التقدير للقمر بأن جعله منازل إنما نعرف عدد أيام الشهور لا أيام السنين، فهو في أول الشهر هلال وهو في وسطه بدر وهو في كل منزلةٍ له اسمٌ عند العرب. لذلك فإن المراد بالسنين الشهور لا الأعوام، بدليل أن الله يقول في سورة البقرة: (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج).

إذن فما الأهلة إلا مواقيت للناس ومواقيت للحج، والمراد بذلك معرفة شهور الحج الأربعة التي هي “رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم”، فلا بد أن نعرف بالهلال بداية كل شهر ونهايته منها لتحدد بذلك موعد الوقوف بعرفات في اليوم التاسع من الشهر لأن معرفة ذلك هامٌ جداً لأنه موعد للناس القادمين من كل فجٍ عميق فلا بد أن يحدد بدقة حتى لا يفوت على أحدٍ يوم الحج الأكبر وهو الوقوف بعرفات،، وهكذا فإن تقدير القمر منازل إنما هو لنعلم عدد أيام الشهور التي سماها الله سنين في سورة يونس، بل ولقد سماها كذلك في سورة الإسراء فقال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ).

ومن المعروف أن اختلاف الليل والنهار يعرفنا بعدد أيام الشهور فإذا عرفنا الشهور أولاً عرفنا الحساب العام وهو حساب الأعوام، وهكذا نصل إلى أن المراد بالسنين ألف شهر وهي تساوي ثمانين عاماً فإذا أخرجنا منها خمسين عاماً حسب الاستثناء فإنه قد لبث في قومه ثلاثين عاماً فقط، وهذا هو المناسب لسنن الله مع كل الأنبياء وفي كل العصور ومع كل البشر ولهذا فإن نوحاً يذكر مع غيره من الرسل على هذا الوضع بدون تمييز له بشيء، بل إنه يذكر في سورة التحريم مع لوط ولكل منهما له امرأة واحدة فلو كان لنوح عمر أطول لكان له أكثر من امرأته. ويذكر في سورة هود بأن له ابناً واحداً كان من المغرقين فلو كان تعمر ألف عام لكان له أكثر من ولد، وعلى أي حالٍ فلو تجاوزنا سورة هود فإن المؤرخين والمفسرين لا يذكرون له أكثر من ثلاثة أولاد هم سام ويافث وحام، وهم آباء الأمم الحالية التي أعمارها لا يتجاوز على الأكثر المائة وهذا ما يقوله الله عنهم: (وجعلنا ذريته هم الباقين).

وبعدُ؛ هل نستطيع بعد هذا أن نقتنع بما أوردناه، وأن نفهم آية العنكبوت فهماً يتفق مع سنن الله التي لا تتبدل؟.

ولعل هناك من اقتنع، ولا شك أن هناك من اعترض وامتنع، بل وهناك من يسأل ويقول: ولماذا أورد الله الآية بهذا الأسلوب المتشابه، وبهذه الطريقة المثيرة؟.

ونقول: لقد كانت سورة العنكبوت مكرسة لتأكيد أن الناس لا بد أن يفتنوا وأن عليهم أن يصبروا إن كانوا مؤمنين، ولما أراد أن يضرب مثلاً للصابرين المقاومين للفتنة بدأ بنوح وأورد معاناته مع قومه بهذا الأسلوب المثير ليثير الإنسان.  

إنه يعظم الحال ليكون المؤمن مقاوماً للفتنة والضلال، فمهما انتعش الباطل وكثر الخبيث في كل مجال، فإن المؤمن أمام ذلك ثابت كالجبال.

ولقد أدرك الزمخشري في كشافه هذا المعنى المتوخى في أسلوب الآية فأشار إلى أن ذكر كلمة ألف أقوى في التأثير من أن يقول تسع مائة وخمسين.

سلام على نوح في العالمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.