القرآن في القرآن (30): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، وفي ختام الحلقات نقول بابتهاج: هنيئاً لهم في نهاية الصيام بالنجاح، ونسأل الله لنا ولهم الفوز والفلاح، ونرجو للجميع عيداً سعيداً حافلاً بالسرور الفواح.

ومثلما نحن نبدأ الحلقات باسم الله، فإن من المناسب أن نختمها بحمده، وأن نسبح باسمه، فسبحان الله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وجعله سوراً متكاملة تبدأ باسم الله الرحمن.

وهنا نحب أن نقول كلمة حول هذا الموضوع الذي تميزت به سور القرآن، فمن المعروف أن كل سورة تبدأ بقوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

ومن العجيب والغريب أن يختلف القراء والفقهاء حول هذا الموضوع الهام؛ فمنهم من قال إن البسملة هي آية من الفاتحة وآية من كل سورة، وهؤلاء هم فقهاء مكة والكوفة، وهو قول الإمام الشافعي، ولهذا يجهرون بها في الصلاة؛ واستدلوا على ذلك بأن المصاحف العثمانية أي التي وزعها الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه على الأمصار هذه المصاحف أثبتت البسملة في أول كل سورة إلا سورة التوبة، ومن المعلوم أن هذا ما اتفق عليه كبار الصحابة مع عثمان، وهم أدرى من سواهم بالموضوع، وقد دل فعلهم على أن البسملة جزء من آيات القرآن مع حرصهم على تنقيته.

أما فقهاء وقراء المدينة والبصرة فقد قالوا أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من أي سورة، ولهذا فهم لا يجهرون بها، وقالوا إنما أثبتت البسملة في أوائل السور للفصل بها وللتبرك، ولأن كل أمر ذي بال لا بد أن يبدأ بها ولعل هذا التبرير منهم هو حجة عليهم؛ لاسيما أن هناك حديثاً مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلم هو: [كل أمر ذي بالٍ لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر]، ورغم أنه قيل بضعف الحديث إلا أن المعروف عن رسول الله أنه كان يبتدئ كتبه إلى الملوك والأمراء ورؤساء القبائل بكلمة “بسم الله الرحمن الرحيم” وهذا خلق نبوي تعلمه من القرآن، وإذا كان هذا هو شأن كتب الرسول ورسائله إلى الناس؛ فكيف لا يكون ذلك شأن رسائل الله وهي سور القرآن إلى عباده، فمحمد هو رسول الله وهو يحمل رسائل ربه إلى عباده أجمعين، فهل يمكن أن تبدأ رسائل رب العالمين بدون بسم الله الرحمن الرحيم.

كلا إن هذا لا يليق بالقرآن الكريم، ولا بربنا الحكيم، بل هو الذي يأمر رسوله محمداً أول سورة أنزلها عليه بقوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)) [سورة العلق]، ثم (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)) [سورة الأعلى]، ثم (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(25)) [سورة الإنسان]، وهكذا تردد هذا الأمر في آيات كثيرة؛ فكيف لا تبدأ سور القرآن باسم الله، وهو ذكر وقرآن مبين، وهدى ونور للعالمين، بل إن الله ليأمرنا أن لا يكون مأكلنا إلا مما ذُكر اسم الله عليه وإلا فلسنا مؤمنين فيقول: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ(118)) [سورة الأنعام]، ويؤيد الأمر بنهي شديد فيقول: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(121)) [سورة الأنعام].

وإذا كان هذا الأمر والنهي الشديد في أكل الغنم والبقر؛ فكيف لا يكون في تلاوة السور، وأيهما أعظم شأناً وأسمى بالاً غداء البطون والأجسام، أم غذاء العقول والأحلام؟! فتأملوا يا أولي الألباب؛ ولنكن على علم يقين أن القرآن العظيم لأمر ذو بال، فكيف تخلو سوره من اسم الله ذي الجلال؟! فإذا لم يبدأ الإنسان تلاوة السور باسم الله الرحمن؛ فإنه مسكون بالشيطان؛ (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36)) [سورة الزخرف]؛ ولهذا فإن الله يأمرنا عند قراءة القرآن بقوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)) [سورة النحل]. وإذا كانت الاستعاذة واجبة بأمر الله؛ فإن البسملة واجبة بإثباتها في أول كل سورة بأمر الله منزل القرآن؛ فلقد بلغه الرسول كما أنزل: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)) [سورة الحاقة]. فكيف يمكن أن يثبتها الرسول في أول السور بدون علم ربه وأمره؟، كلا؛ بل إنها مثبتة بأمره وعلمه وتعليمه، وهو لا يخفى عليه شيء، بل إن الله ليأمر عباده أن يكون اسمه مبدأ كل عمل وقول، وفي كل حال، ويضرب لنا بالرسل وأعمالهم الأمثال، وهم لنا أسوة حسنة في كل الأعمال، فهذا رسول الله نوح عليه السلام لما حمل أصحابه المؤمنين على الفلك كان أول طلبه منهم هو: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41)) [سورة هود].

وهذا رسول الله سليمان عليه السلام لما كتب رسالة صغيرة لا تتجاوز سطراً واحداً إلى ملكة سبأ، كانت البسملة كاملة هي المبتدأ، وإذا شئت أن تشاهد فاقرأ (قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ(29)إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31)) [سورة النمل].

ولو جردنا الآيات من كلمات الحكاية لكان نص الكتاب هكذا “بسم الله الرحمن الرحيم لا تعلوا علي وأتوني مسلمين“، فكلمات البسملة أكثر من كلمات الكتاب، ورغم ذلك لم يرض سليمان عليه السلام إلا أن يبدأ بها، وأنها ذات شأن في كل أمر له شأن، وكيف لا وفيها الله الرحيم الرحمن، وعليه: فإن الحق أن البسملة لا بد أن تقرأ في أول كل سورة مجهورة، فذلك هو النور الذي رضيه الله نور السماوات والأرض، وهو بكل شيء عليم، وبه أنزل القرآن الحكيم.

وعلى أي حال؛ فإن الحق الذي يجب أن يثبت رغم خلاف القراء والفقهاء هو أن البسملة آية كاملة من سورة الفاتحة، فهي الآية رقم واحد وهي مرقمة به في كل المصاحف العثمانية الموزعة على الأمصار، بإجماع صحابة الرسول الأبرار، كما أن البسملة جزء من الآية الأولى في كل سورة من سور القرآن، يعني أنك حين تقرأ سورة الكوثر مثلاً تقول: (بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، إلى هنا تكون آية.

وإذا قرأت سورة الأنبياء مثلاً تقول: (بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) إلى هنا آية، وإذا قرأت سورة البقرة تقول: (بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ألم)، يعني أن البسملة مع الأحرف الثلاثة آية؛ وهكذا يمكنك أن تقيس بقية السور؛ فالبسملة هي جزء هام وأساسي من الآية الأولى في كل سورة بلا شك، وعليه فإن من تركها فقد ترك رأس الآية وأهم جزء فيها، وهو اسم الله الرحمن الرحيم؛ فبأي شيء يبدأ سوى الله من ترك اسم الله؛ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(15)) [سورة الأعلى]، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)) [سورة الرعد] صدق الله العظيم.