القرآن في القرآن (27):قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى كل الأنبياء والمرسلين ، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم السابع والعشرين.

ها نحن قد شارفنا على منحنى الوداع لشهر الصيام، واقتربنا في هذه المسابقة من حلقات الختام. وإننا لنسأل الله الأجر على الحالين فإن الأجر الحقيقي لديه، والجزاء النافع في يديه، وهذا هو ما تزخر به أخلاق القرآن، وما تشع به سير الأنبياء في كل أمة وزمان؛ فهم على التبليغ لآيات الله لا يسألون الأجر من الإنسان، وإنما يرجونه من ربهم الرحمن. ولقد عرف هذا الرجال المؤمنون فأقبلوا على المرسلين مستجيبين مؤمنين، ففي سورة ياسين: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)) [سورة يس].

وفي سورة الشعراء نجد كل المرسلين المذكورين فيها يعلنون ذلك المبدأ على كل الأقوام بأسلوب واحد وكأنهم رسول واحد فنوح عليه السلام يقول: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(107)فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي(108)وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(109)) [سورة الشعراء].

وكذلك قال هود عليه السلام نفس العبارة: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(125)فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي(126)وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(127)) [سورة الشعراء].

ومثل ذلك تكلم من بعده صالح ومن بعد صالح لوط ومن بعد لوط شعيب عليهم السلام أجمعين، وإنه لإعلان عظيم وإيذان للناس سليم يؤكد لهم أن الرسول لا يبتغي المال والسيادة، ولا الثراء والوجاهة، وإنما يبتغي أن يستجيب الناس لربهم لينالوا بذلك فضله ورحمته، ولتدوم لهم سعادتهم، ويطيب لهم متاعهم في الدنيا، ويسعدوا بلقاء ربهم في الأخرى، وذلك هو النعمة، وذلك هو الفوز العظيم، أما الدنيا فمتاعها قليل، والفوز على غير هدى الله هو الخسران العظيم؛ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(36)) [سورة المائدة].

فما أتفه هذه الدنيا، وما أقل زينتها، حتى ولو كانت ملئ الأرض مرتين، وكيف لا والإنسان مهما اكتسب وجمع، يفارق ذلك مرغماً ويتفرق عنه ما جمع، ولا يبقى له إلا ما قدمه ليوم عظيم (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)) [سورة الشعراء].

ومثلما كان المرسلون الذين ذكرناهم يعلنون أن أجرهم على رب العالمين، فإن إبراهيم عليه السلام لا يطمع إلا في ذلك، وهو عند ربه من الصالحين، بل هو الذي اتخذه الله خليلاً، وجعله للناس إماماً في الإخلاص لربه مسلماً، إنه يقول عن ربه: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(83)وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(84)وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ(85)) [سورة الشعراء].

هذا هو مطمعه، وليس له من الدنيا مطمع يجمعه، وهذا هو ما اقتدى محمد الأمين رسول الله وخاتم النبيين في تبليغه رسالات رب العالمين، إلى كل العالمين، فلقد كررها مرات، وأعادها أمام المكابرين بمختلف الأساليب والعبارات؛ (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)) [سورة ص]، بل إنه لا يسأل من الناس أجراً من الأجور المعهودة لديهم، وهي المودة والتعاون معه على كسب متاع الدنيا، كلا إنما أجره منهم أن يتقربوا إلى الله معه، وأن يلتقي معهم على هذا المقام الرفيع، وهو القرب من الله بالعمل الصالح: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ "أي على القرآن" أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى..)، أي لا أريد مودة منكم في أمور الدنيا، ولكني أريد أن تكون المودة بيني وبينكم والجامع بيني وبينكم هو مودة الاقتراب إلى الله والتقرب إليه بصالح الأعمال، فلا مودة بين مؤمن وكافر، ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: (..وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(23)) [سورة الشورى]. إنه وعد من الله لمن يقترف أي حسنة أن يتضاعف له العطاء ويزيد، فالله غفور لمن استغفر، شكور لمن يفي بعهده وشكر، فالقربى هنا المراد بها التقرب إلى الله، وهذا ما يؤيده قوله تعالى في سورة الفرقان: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا(57)) [سورة الفرقان].

أي أن أجري الذي أطمع فيه هو أن أجد منكم من يتخذ إلى ربه سبيلاً باتباع هذا القرآن، فإذا وجد منكم من اتخذ إلى ربه سبيلاً بهذا القرآن، فإني سأنال من ربي أجراً عظيماً تحقيقاً لوعده الذي يقول فيه: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)) [سورة القلم]، وإذن فإن البلاغ والتبليغ للقرآن يجب أن يكون مجرداً من كل غرض أو منفعة من الناس تنال، ولكن يجب أن يكون المبتغى في ذلك وفي كل الأعمال، هو رضاء الله ذي الجلال، وذلك هو السبيل الحق الذي يسمو به الإنسان عند ربه أعلى مقام، وينال به الإكرام، وبهذا فإن علينا أن نفهم أن من ابتغى بذلك جاهاً أو شهرة، أو مالاً أو ثروة، فقد خسر الدنيا والآخرة، وسقط من عليين إلى أسفل سافلين، وذلك هو الخسران المبين.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان؛

هناك في الجزء السابع والعشرين من القرآن، آية كريمة؛ تسأل المكذبين سؤال استهزاء، هل هم مثقلون بما هم من أجر يُسألون؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.

***