القرآن في القرآن (26):إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعين ورحمة الله وليلة القدر علينا مطلة، وعلينا إقامتها حمداً لله وشكراً على ما أظهر فيها من آيات القرآن فلقد قال الله: (حم(1)وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(2)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ(3)فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(4)) [سورة الدخان].

فالحمد لله على ما أنزل، والحمد لله على الرحمة وما أظهر وتفضل، ولهذا قال: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ(5)رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(6)رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(7)لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ(8)) [سورة الدخان].

إذن فليلة القدر هي ليلة الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحكمة والجهالة، وهي ليلة الرحمة والفضل العظيم، وليلة النعمة والعلم الحقيقي من الله السميع العليم.

إنها ليلة القرآن وفيه كل تلك المعاني الربانية المسبلة على الإنسان، فعليه أن يحمد الله ويشكر نعمة الله بالتمسك بالقرآن؛ إن التمسك به والعمل به والحرص على تعلمه وتعليمه واجب إسلامي، وفرض إيماني، ثم إن ليلة القدر تبقى رحمتها بالقرآن دائمة، وتبقى بركاتها قائمة، فهو النعمة العامة والهامة التي تتم به النعم.

إننا نجد في سورة النحل آيات تؤكد ذلك بوضوح؛ فلقد عدد الله نعمه المعيشية للإنسان المتمثلة في الماء والنبات والبحار والجبال والأغذية والمعادن والبنين والبنات، وكذلك النعم التي يعقل بها الإنسان، وهي السمع والأبصار والأفئدة، ثم ختم ذلك بالبيوت والأثاث المتعدد الأنواع ثم قال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ..).

والمراد بتلك السرابيل الملابس المدنية في أيام السلام، ثم السرابيل الحربية التي تقي من الخطر؛ حتى السيارات والطائرات المدرعة وكمامات الحماية من الغازات الجرثومية والإشعاعات النووية وغيرها من معدات الحماية، وكل هذه نعم معيشية، ثم يقول بعد ذلك: (..كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ(81)) [سورة النحل].

يعني كما أعطاكم كل تلك النعم المعيشية فإنه يتمها عليكم بالقرآن لعلكم تسلمون وتشركون فتدوم عليكم مباركة طيبة، ومما يؤكد هذا المعنى أن الله يقول بعد ذلك لرسوله محمد المبلغ للقرآن: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(82)) [سورة النحل]. أي إن تولوا عن القرآن فما عليك إلا البلاغ ودع أمرهم لله الذي أنزل القرآن وأرسلك، فهم يعرفون أنك تبلغهم الخير وتدعوهم إليه وتأتيهم بنعمة الله، ولكنهم يتغابون ويتغافلون والله يعلم ذلك وعنده الجزاء المناسب ولهذا قال: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ(83)) [سورة النحل].

نعم نعم إن هذا هو داء الإنسان، وكم من أناس اليوم وفي كل زمان يعرفون ويعلمون يقيناً أن القرآن هو النعمة الكبرى والنعمة الحقيقية التي بها تتم النعم وتدوم، ولكنهم مع ذلك يعرضون ومنه يفرون، مكتفين بالمتاع المعيشي الفاني، عن العطاء الرباني، وذلك هو الخسران المبين، والله يبين لنا أن القرآن عهدٌ بين الله والناس؛ فعليهم أن يقبلوا عليه ويتمسكوا به ولا يستبدلوا به الدنيا فهي قليل مهما توسعت، وهي تفنى مهما تطاولت، فلقد قال: (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(95) مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(96)) [سورة النحل].

فالجزاء يكون بأحسن الأعمال، والحسنة تجزى بأضعاف كثيرة، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)) [سورة النحل]. فالجزاء يلوح طيباً في الدنيا أولاً، ثم مضاعفاً دائماً في الأخرى للذكر والأنثى فنعم أجر العاملين.

وعلى هذا نفهم أن القرآن نعمة، وبه تتضاعف النعم وتطيب، وأن العمل به لا بد أن يتسم بالإخلاص والإحسان، وأن يبتعد عن وسواس الشيطان، وإلا فإن الأعمال قد تتراخى عنه وتطغى، ولهذا يقول الله محذراً كل إنسان: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99)إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ(100)) [سورة النحل].

وهكذا فإن العمل بالقرآن، لا يكون إلا بالبعد عن الشيطان، وبالتوكل على الرحمن، فإن اتبع الإنسان هواه فقد جعل الشيطان شريكاً لله، وسلطه على نفسه فأرداه، فمن يهديه من دون الله، فلقد جعل الله القرآن هدى لمن أسلم وجهه لله بإحسان (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(102)) [سورة النحل] صدق الله العظيم.

موسيقى

وبعد أيها الإخوة الكرام، فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء السادس والعشرين من القرآن، آية تسأل الناس باستنكار ما منعهم عن تدبر القرآن، وماذا على القلوب ران؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.