القرآن في القرآن (25):وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

أيها المستمعون: السلام عليكم ورحمة الله ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم. وأحب اليوم أن أقول لكم أن الصلاة والسلام على كل الأنبياء والمرسلين مع محمد خاتم النبيين هو خلق القرآن العظيم، وهو واجب كل مسلم يؤمن بهذا القرآن ويتدبر آياته؛ فالله يقول لرسوله محمد في آخر سورة الصافات: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(182)) [سورة الصافات]، فلقد أمره ربه بتسبيح ربه وبالسلام على المرسلين، ثم ختم ذلك بأن أمره بالحمد لله رب العالمين، وهو بلا شك أمر لكل مؤمن مسلم متبع لمحمد الرسول الأمين، ثم إن السورة نفسها قد تضمنت أمراً وتوجيهاً لنا جميعاً بذلك فقال أولاً عن نوح (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ(78)سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ(79)إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(80)إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(81)) [سورة الصافات].

فعلى نوح السلام منا ومنكم أجمعين؛ امتثالاً لأمر رب العالمين، ثم قال عن إبراهيم عليه السلام: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ(108)سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ(109)) [سورة الصافات]، وقال عن موسى وهارون عليهما السلام: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ(119)سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ(120)) [سورة الصافات]، وكذلك قال عن إلياس: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ(129)سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ(130)) [سورة الصافات]، ومع كل واحد من هؤلاء أتبع كل ذلك بقوله: (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)، فلقد استحقوا ذلك لإحسانهم في إيمانهم؛ إذن فنحن المقصودون بالآخرين، فالله قد كلفنا بالسلام على هؤلاء المرسلين؛ لأنهم محسنون، ولأنهم عباد مؤمنون؛ قد يقول قائل: لكن الله قد خص هؤلاء الخمسة فقط لا كل المسلمين، لكنا نقول: لقد ختم الله السورة بالسلام على كل المرسلين كما عرفنا وبلا استثناء، أليس في ذلك ما يوجب علينا الصلاة والسلام عليهم مع محمد خاتم الأنبياء، فكلهم رسل الله ولهم كلهم اصطفى، ولقد قال في سورة النمل: (قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(59))، فلقد أوجب علينا السلام عليهم.

والآن وبعد أن بلغنا بهذه الحقيقة القرآنية وبهذا الخلق الرباني، فإننا سنواصل حديثنا عن القرآن في القرآن فنقول:

يا مسلمون يا إخوة الدين، يا أحبائنا في الله رب العالمين؛ إن القرآن لم ينزل ليقرأ بلا فهم ولا تدبر، ولم يوح إلى الرسول ليتلى في المحاريب بلا تذكر، كلا؛ بل لقد أنزله الله ليعلم الناس ما فيه من الحق، وليعملوا به بإخلاص وصدق وإلا فهم غافلون، ثم إنه مبين لمن تأمل وتفكر، ولقد قال الله عنه في سورة النمل: (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ(1)هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(2)).

وقال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(29)) [سورة ص].

وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)) [سورة النساء].

وقال: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)) [سورة يوسف].

وفي سورة الزخرف قال: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3)وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ(4)).

أما في الزمر فقد قال: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(27)قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(28)).

وكثير كثير من الآيات، وقد أوردنا نماذج لكم ومفاتيح أمامكم لتبحثوا عن أمثالها في القرآن وأنتم تقرأونه وتتدبرون؛ فالقرآن قد أنزل ليفهم، وقد وعد الله من أنصت له بأنه سيرحم، (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)) [سورة الأعراف]، فنحن مكلفون بتلاوته وبالإنصات إليه إذا قرئت آياته، وكل مسلم مكلف بقراءة القرآن في كل حال، حتى في حالة السفر، بل وحتى في حالة القتال، إذا أردتم الدليل على هذا الذي أقول فتأملوا سورة المزمل، فالله يقول لرسوله محمد: (يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1)قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4)) [سورة المزمل]، والأمر للنبي أمر لكل مسلم معه؛ فالليل موعد القيام والترتيل، وهو مقام الخشوع لله الجليل. (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)) [سورة المزمل].

وإذا كان الرسول قد أمر بذلك فقد قام معه طائفة ممن آمن، فكان الله يرعاهم ويعلم بهم، فقال في آخر السورة مخففاً عنهم: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ..).

لقد خفف عنهم القيام، ولكنه أوجب عليهم قراءة القرآن، في كل حال وزمان؛ بدليل قوله: (..عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ..(20)) [سورة المزمل].

أسمعتم؟، لقد أوجب الله على المسلمين قراءة القرآن في كل حالٍ ومكان، وفي كل زمان، في حالة المرض وفي حالة السفر والضرب في الأرض، بل وفي حال القتال، أليس في هذا ما يؤكد أن قراءة القرآن واجبة لا تسقط عن المسلم في كل حال ومنقلب، بل إنها توجب على الدولة المسلمة أن لا يكون في مواطنيها أحد جاهل بالقرآن، ولا فرد أمي لا يقرأ ويكتب بإتقان، فأين نحن من هذا المقام القرآني، وهذا السمو الرباني؛ ألا ترون أن الأمية في المسلمين أعلى نسبة وأشد انتشاراً من سواهم مع أنهم أمة العلم والقرآن، وهو الذي بدأت آياته بقول الله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)) [سورة العلق].

فأين القراء، وأين الأقلام؟! وأين أين العلماء بعلم الله العلام؟!

ألا فانتبهوا يا أيها المسلمون من الغفول، واستمعوا ربكم العليم كيف يقول: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(10)) [سورة الأنبياء]، أي فيه علمكم، (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)) [سورة ص].

وبعد أيها الإخوة الكرام، فإن السؤال قد حان؛

هناك في الجزء الخامس والعشرين من القرآن، آية كريمة رائعة؛ تؤكد لنا أن القرآن علمٌ للساعة واليقين بها هو الصراط المستقيم إليها؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.