القرآن في القرآن (24):أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام عليكم أيها المستمعون الكرام، ورحمة الله ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم.

لقد عرفنا معاً في حلقات ماضية ما هو خلق القرآن، وعرفنا أنه الخلق العظيم، الذي كان عليه الرسول الكريم، ولقد اهتدى إليه من آيات القرآن الحكيم، ويجب على من اتبعه أن يقتدي به في هذا الخلق في كل حالٍ وعمل وقول كريم، ولن نستطيع أن نتصف بذلك إلا إذا التزمنا العمل بالقرآن وتدبرنا آياته بإمعان، وعلمنا أنه الحق من الرحمن (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(19)) [سورة الرعد].

لكن من لم يعلم بذلك أو علم ولم يعمل به فهو ذو خلق لئيم يصفه الله بأرذل الصفات وهي قوله: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(25)) [سورة الرعد].

أسمعتم؟! أشاهدتم خلق المكذب بالقرآن أو المعرض عنه؟! إنه ينقض عهد الله وقد كان معقوداً بوثوق، فهو يسرف ويطغى، وينصرف عن الهدى، ويتبع الهوى، ويفتخر بالمال ويظنه عزا، ولله الرزاق ينسى؛ ثم هو مع ذلك يقطع ما أمر الله به أن يوصل فلا يفعل خيراً بل يمنعه، ولا ينتهي عن الشر بل يسعى إليه ويدعو إليه، ولا يعرف قرابة، ولا يرعى ذمة ولا يحفظ أمانة، كل خير لديه مقطوع، وكل صلة أخوية إنسانية عنده مبتورة، وهو مع ذلك ينشر الفساد في الأرض، ويشعل البغضاء، ولا ينتعش إلا على الحروب وسفك الدماء، فهو جرثومة تنخر في الأمم، وداء يتوغل ويتورم، وهذا نوع من الناس يكرهه الله ويرفضه كل خلق الله، (أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ)، فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله أبداً ولهم سوء الدار في الأخرى، وذلك هو الجزاء الأوفى، وهذا هو مصير من كذب خلق القرآن، واتبع هواه وعبد الشيطان، لقد ظن أن السعة في الرزق هو السعادة، فانقطع له ولم يعلم أن الله يبتليه ويقول: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا..(26)) [سورة الرعد].

وهذا هو سبب الفساد والطغيان، ولكن العاقل يعلم أن الدنيا قليل: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ(26)) [سورة الرعد]، فهو يعمل للآخرة ويتخذ المتاع معراجاً إلى جنات النعيم.

إن من يفرح بالدنيا إنما هو غافل، وعيشه في قلق وهوان، ولقد أوضح لنا الله هذا النوع من الناس يتكرر في كل زمانٍ فقال: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)وَبَنِينَ شُهُودًا(13)وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)) [سورة المدثر].

إنه كان فرداً وحيداً، ضعيفاً مولوداً؛ لكن الله مد له المال، وأعطاه العيال، ومهد له أجمل الأحوال، على أساس أن يشكر ويتجه إلى صالح الأعمال، وأحسن الأقوال؛ لينال من ربه الأمان والاطمئنان؛ لكنه اتجه إلى الطغيان، ويريد مع ذلك المزيد من العطاء ويطمع فيه؛ ولهذا قال الله: (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ)، ففيم يطمع!! إنه يطمع أن ينال الأمان والاطمئنان، وأن يكون في أمواله والتمهيد في عيش رغيد، لكن ذلك ممنوع عنه وهو عنه مبعدٌ بعيد؛ لماذا؟!

يوضحه الله بقوله: (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)) [سورة المدثر].

فهو يسعى ضد القرآن ويعاند أخلاقه، ولهذا فإن حياته قلقه (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)) [سورة المدثر]، فهو رهق لاهث، وعن الأمان في قلق باحث، لأنه يفكر تفكير الناكث، (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)) [سورة المدثر]، لقد أنكر أن القرآن منزل من ربه الأكبر، فكان الجزاء (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)) [سورة المدثر].

وهكذا فهو قلق واضطراب؛ لأنه عرف الحق واستكبر، فلو آمن وأيقن بالقرآن؛ لكان في أمان واطمئنان، وهو وعد من الله للإنسان في كل مكان وكل زمان (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)) [سورة الرعد]. صدق الله العظيم.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال الآن؛

ستجدون في الجزء الرابع والعشرين من القرآن، آية واضحة البيان، تعلن أن من كذب على الله وكذب بكتاب الله فإنه ظالم وجهنم مثواه؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.




(5٬557) تعليق