القرآن في القرآن (7): لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى العباد الصالحين أجمعين، وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

لقد عرفنا أن القرآن منبعه الحكيم العليم؛ فهو علم للإنسان، وهو حكمة للصادق الإيمان (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ(6)) [سورة النمل].

وهذا الحكيم العليم هو الذي أحسن كل شيء خلقه، وهو الذي أتقن كل شيء بكمال، وهو الخبير بكل أعمالنا والأفعال، فهو الذي يبدع وهو أحسن الخالقين، وعليه؛ فإن إنزاله القرآن؛ لا بد أن يكون بإتقان وإبداع وإحسان، ولا بد أن يكون أسلوبه والبيان، يفوق في نظمه بلاغة الإنسان، وعلى هذا الأساس فإن الله يتحدى الناس أن يستطيعوا الإتيان بمثله، بل إنه يدعو مع الإنس الجن للمحاولة؛ (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88)) [سورة الإسراء].

ورغم عجزهم عن هذه المحاولة؛ فإن الناس مستمرون في الكفر به وبمنزله (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا(89)) [سورة الإسراء].

والناس المراد بهم هنا الإنس والجن؛ لأن الله حينما يخاطب الفريقين بالتفصيل فإنه يقول يا معشر الجن والإنس؛ فكل واحد منهما له اسم؛ لكن يجمعهم بكلمة الناس.

ومع هذا الكفر الذي يصيب أكثر الناس فإن الإنسان أكثر الفريقين عناداً؛ (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا(54)) [سورة الكهف].

وعلى أي حال فلقد تحداهم الله جميعاً أن يجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لعلمه أنه منزل من الحكيم العليم، وأن الإنسان والجان إنما علمه من ربه العليم، فكيف يستطيع أن يحيط علماً بما يعلمه الحي القيوم، كلا؛ إنه مخلوق ضعيف يموت وينوم، ولكنه رغم ضعفه يدعي الفخر ولا يستسلم لربه، بل يستكبر ويكابر، ولأن الله يعلم عجز هذا المخلوق؛ فإنه قد أضرب عن أن يطلب منه الإتيان بمثل القرآن كاملاً، وطلب منه الإتيان بعشر سور فقط؛ فقال:

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(13)) [سورة هود].

إن قولهم مدموغٌ مدفوعٌ؛ فالافتراء إنما هو منهم، والكذب إنما هو من عندهم، ولهذا فهم لا يقدرون على الإتيان بشيء، ولن يستجيب لهم أحد من القوى المبطلة المجادلة، ولهذا يقول الله:

(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(14)) [سورة هود].

إن الإسلام هو الواجب على من عجز ولم يستجب، لأنه أيقن أن القرآن من عند الله فكيف لا يسلم وجهه لله، لكن الدنيا شغلتهم وألهتهم عن الإله، فماذا سيكون المصير؟! استمعوا كيف الجواب:

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(16)) [سورة هود].

ولقد صح أن الدنيا هي الملهية للناس عن الاتجاه إلى الله، ورغم ذلك فإنه يدعوهم إليه، ولا يكف عن تذكيرهم بما هم مقدمون عليه؛

(حم(1)وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(2)إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3)وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ(4)) [سورة الزخرف].

وما دام حال الكتاب هو هذا العلو، وصفته هي الحكمة؛ فإن عليهم أن يتذكروا (أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ(5)) [سورة الزخرف].

وما هو مصير المسرفين؟!

إنه كما يقول الله: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ(6)وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(7)فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ(8)) [سورة الزخرف].

ورغم علم الناس أن القرآن حق، فإن الله الكريم يدعوهم إلى ما هو أقل من عشر سور فيقول: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(38)) [سورة يونس].

لا شك أنهم كاذبون في قولهم وأن الرسول هو الصادق، ولهذا فإن الله يقول:

(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ(39)) [سورة يونس].

لقد كانت العاقبة هي الهلاك في الدنيا، أما في الأخرى فإن العاقبة هي كما يقول الله في سورة البقرة مخاطباً الناس أجمعين:

(وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)).

هذه هي العاقبة؛ النار تتقد بهم وبالحجارة، لماذا هذا المصير الملتهب؟! لأنهم بجهلهم بالقرآن أقسى من الحجارة.

وهكذا فإن الناس حتى اليوم وحتى يوم الدين، سيستمرون عاجزين عن الإتيان بسورة واحدة فيها بيان القرآن، إنهم لن يفعلوا ولو اجتمع الإنس والجان، فالمرتابون في خسران، والمؤمنون به هم أحباب الرحمن.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء السابع من القرآن الكريم، آية كريمة تصف المكذبين بالآيات، بأنهم صم وبكم في ظلمات؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.