برنامج القرءان في القرءان (4): إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى من سبقه من الأنبياء والمرسلين، وعلى كل من اتبعهم آمين، وبعد: السلام على المستمعين ومرحباً بكم إلى حلقة جديدة من المسابقة القرآنية بعنوان: [القرآن في القرآن]،

فماذا سنعرف اليوم عن القرآن. يكفي أن أسألك يا عزيزي المستمع سؤالاً لتعرف بعده ما يسرك؛ السؤال هو: هل تريد أن يكون عمرك كله ليلة قدر مباركة؟!

لعله سؤال مذهل ولكن لا تتعجب ولا تتعجل، بل اقرأ معي وتأمل؛ يقول الله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)) [سورة القدر].

اسأل نفسك عما يتحدث الله هنا وماذا يريد، هل هو يتحدث عن ليلة القدر بذاتها؟ وهل هو يريد منا أن نوجه اهتمامنا إليها وحدها؟

كلا، إن الله هنا يتحدث عن القرآن: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)) فالضمير في (أَنزَلْنَاهُ) يعود إلى القرآن، ثم لكي يصف الله هذه الليلة فإنه يضع أمام الوصف سؤالاً هو: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2))، وهذا لكي يثير اهتمام السائل لكي يتطلع إلى الجواب، فإذا به يأتيه في الحال وهو قوله (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3))، إنه وصف هام، وقدر لليلة عظيم، ثم يوضح الله سر كونها خيراً من ألف شهر بقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(5)) صدق الله العظيم.

إذن فإنها ليلة عظيمة وهامة، وقدرها جليل وهام، ولكن لماذا يخبرنا الله بأنه أنزل القرآن فيها، ثم يصفها بتلك الصفات؟! إن الله يريد أن يقول للناس: إذا كان هذا هو شأن ليلة القدر وهي الوعاء الزمني للقرآن، فكيف يكون شأن القرآن الذي أنزل فيها وحمل عليها؟!      

لا شك أن شأن الذي يحتويه الوعاء أعظم من الوعاء في الميزان الرباني، وإذن فالقرآن هو المراد من وصف ليلة القدر، فإنما وصفها الله بتلك الصفات لينبه الناس إلى فضل ما أنزل فيها، وإلى أهمية ما حملته إلى الناس من خير، لقد حملت إلى الناس هذا القرآن، وعلى أي حال فإن أوصاف ليلة القدر تستهوي طموح الإنسان، وتثير تطلعه إلى أن ينال من خيرها، فما هي الوسيلة لتحقيق هذا الطموح، وما هي الحيلة لنيل البركات؟!

هل تريد أن تعرف السبيل إلى نيل بركات الليلة وخيرها باستمرار؟! هل تريد أن يكون عمرك كله ليلة قدر؟! هل تتمنى أن تكون لياليك كلها ليلة قدر، وأن تكون كل ليلة من عمرك خيراً من ألف شهر؟! هل تريد ذلك يا أيها الإنسان؟!

إذن فعليك بالقرآن؛ إقرأ القرآن؛ تعلم القرآن؛ اعمل بالقرآن؛ اجعل القرآن خُلُقَك مدى الزمان؛ تجد الزمان كله ليلة قدر مباركة؛ تجد الأيام والليالي كلها خيراً من ألف شهر.

أليس القرآن هو الذي أُنزل في ليلة القدر؟ فإذا كان الوعاء له هذا القدر، فإن ما حواه من القرآن لا شك أعظم قدراً وأجل أثرا. وإن كنت يا أخي في شك من ذلك، فاقرأ القرآن تجد أن كل صفات ليلة القدر موجودة فيه، بل هو يفوقها في القدر، ويزيد عليها في الميزان.

إن كنت تريد الدليل، فإليك البرهان؛ لقد وصفت الليلة بأنها (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) نعم؛ ولكن القرآن موصوف بقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)) [سورة الإسراء] وهذا الأجر الكبير إنما هو الجنة.

ويقول تعالى: (…وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(2)مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا(3)) [سورة الكهف] وهذا الأجر الحسن الذي يمكثون فيه أبداً إنما هو الجنة.

وهكذا جاء في سورة الرعد؛ فإن الذين يعلمون أن القرآن هو الحق؛ قال الله عنهم: (…أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(24)) [سورة الرعد].

وإذا كان مصير أهل القرآن هو هذه الحياة الخالدة في جنات النعيم، فأين ألف شهر من هذا العطاء العظيم، وهكذا فإن القرآن خير من كل العمر ومن كل الدنيا؛ لأنه معراج الفوز بالأخرى، هذا أولاً، ثم إن الله وصف الليلة بقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)سَلَامٌ) [سورة القدر]. والقرآن يقول عن أهله الذين يعرفون الله حق معرفته: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)) [سورة فصلت].

فالملائكة تنزل بالبشرى على قارئ القرآن وعلى من يعمل بعلمه، ثم إن الليلة: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(5)) [سورة القدر]، والله يقول عن القرآن: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16)) [سورة المائدة].

فمع السلام فيه النور والهدى إلى صراط مستقيم، ثم إذا كان الله قد وصف الليلة بقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ..(3)) [سورة الدخان]؛ فإن القرآن مبارك، وبهذا وصف في كثير من السور ففي سورة الأنعام: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ..(92)). وفي سورة ص: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(29)).

ثم لقد وصف الله الليلة بقوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(4)) [سورة الدخان]، وقال عن القرآن: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1)) [سورة الفرقان]، فهو الفرقان بذاته، وهو الذي يفرق بين الحق والباطل، والنور والظلمات، وإذا كانت الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم؛ فإن القرآن هو الحكيم بذاته: (يس(1)وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ(2)) [سورة يس]. وفي سورة لقمان: (الم(1)تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ(2)هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ(3)) [سورة لقمان].

بل إنه الحكمة؛ (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ..(39)) [سورة الإسراء]، وكيفلا، وإن إنزاله من مصدر الحكمة (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ(6)) [سورة النمل]. أليست هذه الصفات التي في القرآن تساوي صفات ليلة القدر، بل تزيد عليها عدداً وكيفاً؟!

إذن؛ فإن الإنسان الذي يتمنى أن ينال خير ليلة القدر وبركاتها يستطيع أن ينالها باستمرار، وأن يجعل صفاتها معه مدى الليالي والأيام، وهذا يتحقق إذا استمسك بالقرآن وعرف أسرار بيانه، وتعلّم وعمل بالقرآن بإتقان؛ إن ذلك أمر كفيل أن يجعل عمرك كله ليلة قدر، ويجعل أيامك كلها مباركة ولياليك كلها خيراً من ألف شهر، ويجعل حياتك سلاماً ونوراً، والملائكة تتنزل عليك أماناً وسروراً، بل يجعل دنياك وأخراك سعادة ونضارة وجنة وحريراً.

فهيّا إلى القرآن ترتيلاً وعملا، لتكون حياتك ليلة قدر لا تبلى، ورحمةً عليك تتوالى، (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155)) [سورة الأنعام] صدق الله العظيم.