برنامج القرءان في القرءان (3): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وعلى كل رسل الله وعلى من اتبعهم على هدى الله، وبعد: السلام على المستمعين ورحمة الله، ومرحباً بهم إلى الحلقة الثالثة من هذه المسابقة القرآنية التي بعنوان [القرآن في القرآن].

نعم إن للقرآن في القرآن لشأناً عظيماً، ومقاماً رفيعاً كريماً. لن نطيل عليكم الكلام، ولكننا سنأتي بالدليل، إن الكتاب يحتوي على خمس سور تبدأ بكلمة الحمد لله، هي اثنتان في النصف الأول، واثنتان في النصف الثاني من القرآن، أما الخامسة فهي تأتي في وسط القرآن الكريم.

أما السورتان اللتان في النصف الأول فهما سورة الفاتحة وسورة الأنعام، والأولى تبدأ بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2))، والثانية تبدأ بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)).

وأما السورتان اللتان في النصف الثاني من القرآن فهما سورتا سبأ وفاطر، أما الأولى فتبدأ بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(1)). وأما السورة الثانية وهي فاطر فإنها تبدأ بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)).

تلك هي السور الأربع التي تكتنف القرآن من طرفيه وكلها تبدأ بالحمد لله الموصوف بأنه خلق السماوات والأرض، وفطر السماوات والأرض، وله ما في السماوات وما في الأرض، وبأنه رب العالمين، وكلها صفات عظمى، وأسماء حسنى لا يختص بها إلا الله وحده لا سوى.

وبعد هذا تعالوا بنا إلى السورة الخامسة وهي التي تتوسط القرآن، إنها سورة الكهف، وهي تبدأ مثل زميلاتها الأربع، إنها تبدأ بكلمة (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ولكن ماذا بعد كلمة (الْحَمْدُ لِلَّهِ) في سورة الكهف؟

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1)قَيِّمًا …) فالله يُحْمَد لأنه موصوف بأنه على عبده أنزل الكتاب، والكتاب هو القرآن، فماذا يفيد هذا البيان؟ إنه يفيد أن إنزال الكتاب يساوي خلق السماوات والأرض، وإنه النعمة التي تمّت بها نعمة الله العزيز الوهاب.

إن هذا المقام الرفيع للقرآن الكريم، وهذا الميزان الوافي لهذا الكتاب الحكيم، يعني أن القرآن هو الحق الذي لا يمكن أن يقوم وجود صالح للإنسان إلا به، ولا يمكن أن يتعامل مع السماوات والأرض وما فيهما بإحسان وسلام إلا بالقرآن، وإلا فإن حياته فساد وطغيان، وتعب وخسران، وعليه فسعادته في الدنيا والأخرى لا تتحقق إلا بالقرآن الذي هو الحق، وكيفلا والله قد خلق السماوات والأرض بالحق وهو الذي يبعث الناس ليوم الحق، فلقد قال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ …(73)) [سورة الأنعام]. وقال: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ…(3)) [التغابن]. والله يقول عن يوم القيامة (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا(39)) [سورة النبأ]. ويقول عن الوزن للأعمال فيه: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(8)وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ(9)) [سورة الأعراف].

وهكذا فإن القرآن هو الحق الذي تسعد به حياة الإنسان في الدارين، وإلا فإنه شقي في الاثنين، فلنكن مع الحق الذي أُنزِل وهو القرآن، وكيفلا والله يقول: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ …(105)) [سورة الإسراء]. ويقول: (الم(1)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ…(3)) [سورة آل عمران].

بل إن القرآن هو الميزان الذي تنسجم به حياة الإنسان مع السماوات والأرض وما فيهما (الرَّحْمَنُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4)الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(5)وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ(6)وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ(7)أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8)) [سورة الرحمن].

بهذا البيان يتأكد لنا أن إنزال القرآن يساوي خلق السماوات والأرض، فلولا القرآن لما تعامل الإنسان مع ما حوله بعدل وإحسان وصلاح وحسبان، بل بالفساد والطغيان، وهذا هو سبب هلاكه في كل جيل وزمان، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ …(25)) [سورة الحديد].

ومن حاد عن هذا الميزان والقسط فإنه هالك؛ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)) [سورة الروم]. وهؤلاء المشركون هم الجاهلون بالقرآن، وهذا هو مصيرهم في الدنيا، أما في الأخرى فاستمعوا كيف يقول الله في سورة الكهف التي هي واسطة العقد القرآني: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29)).

أما المؤمنون العاملون بالقرآن، فإن لهم شأناً آخر هو: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا(30)أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا(31)).

وإذن فإن من ساقته نفسه الغافلة إلى سرادق النيران فإنما هو بسبب جهله بالقرآن، أما الله فقد جاء بالبيان، (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا(54)). وهذا الإنسان المجادل لا شك غافل، ولا يفوق إلا حين يعاجله العذاب (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلًا(55)). وهكذا يتضح لنا أن القرآن هو البيان، الذي به يفوز الإنسان، وهو الحق والميزان. فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً.