برنامج القرءان في القرءان (1): مكانة القرءان في آيات القرءان

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله الذي أنزل القرآن الحكيم، يهدي به إلى صراطٍ مستقيم، وبعد: السلام على المستمعين الكرام ومرحباً بهم إلى أولى حلقات هذا اللقاء القرآني الكريم، وإنا لنرجو الله قبول الصيام والقيام منا ومنهم أجمعين، إنه هو السميع العليم، ثم نقول:

أولاً: قد يستغرب من يسمع العنوان، وقد يتساءل ما المراد وماذا يتضمن من المعاني والأغراض. ولكن الاستغراب سيزول حين يتضح المقام الذي احتله القرآن في آيات القرآن، والتساؤل يخفت حين تتضح المعاني الكريمة التي تضمنتها عن القرآن آيات القرآن، وذلك شيء لا يدركه إلا من سيتابعنا طيلة رمضان، لكنا رغم ذلك سنحاول في أول الحلقات أن نوضح بعض الجواب، وأن نزيل عن المستغربين بعض علامات الاستغراب.

ويكفي أن نقول حول عنوان [القرآن في القرآن] أن القرآن قد احتل في آيات القرآن مكانة هامة ومساحة واسعة، فلم تخل من الحديث عنه السور، ولم يخل منه إلا القليل أو المتصفة بالصغر، بل إن بعض السور الصغار قد حفلت بالحديث عنه وفي مقدمتها سورة الكوثر، فهي لا تتحدث إلا عن القرآن، وليس المراد بالكوثر إلا الشيء المبارك المتكاثر بالخيرات الدائمة على النبي وعلى من تدبر القرآن وتذكر.

فهو متكاثر الخيرات، متوالي البركات على مدى الأزمان، والدليل على ذلك أن الله يقول في إحدى السور القصار: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)) [سورة القدر]، ثم إن هذه الليلة قد وصفت في سورة أخرى بأنها ليلة مباركة، وإذا كانت الليلة بهذه الصفات المباركة التكاثر، وهي وعاء زمني للقرآن، وظرف وقتي لإنزاله من الرحمن؛ فكيف يكون حال الشيء الذي احتواه الوعاء، وكيف يسمو ويعلو شأن ما أنزل فيها عليها، إنها خير من ألف شهر في وقتها، لكنه يحمل هذه الصفة المتكاثرة طول الزمن، ويحتوي على البركة في كل حال وحين، وبهذا فقد وصف بالمبارك في كثير من الآيات المتكررة في القرآن، ففي سورة ص قال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(29)).

 بل إن الله الذي أنزله قد اختص نفسه بما يؤكد ذلك للقرآن فقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1)) [سورة الفرقان]، فالبركات تنطق من ذات الله الذي أنزل الفرقان، وهكذا يكون القرآن ليلة قدر دائمة مع الإنسان لا تغيب عنه ولا تأفل بركاتها مدى الزمان، وكأن سورة القدر التي تتحدث عن القرآن تقول لنا من أراد أن يكون عمره كله ليلة قدر مباركة، بل كل يوم في عمره خير من ألف شهر، فليتمسك بالقرآن وليكن له متدبراً وبه متذكراً وبأحكامه عاملاً؛ فإن ذلك كفيل بأن يتحقق له العطاء المبارك المستمر، والجزاء المبارك المتكاثر، وبه يسمو وبه يستقر (. . . فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(55)) [سورة القمر].

أليس في هذا ما يؤكد الكوثر، وبالعطاء المبارك يبشر ، لكل من تدبر القرآن وبه تذكر، وإذن فإنه يكفي من أعطى هذا العطاء أن يستبشر بصلته وقربه من ربه، وأن كل من عمل وتمسك بكتابه سيفوز برحمته وحبه؛ لكنّ مَنْ يشنأ المتمسك بالقرآن وعن بيانه ينفر؛ فإنه المحروم من رحمة الله وقربه، بل هو منهما الأبتر؛ لأنه بتر نفسه من الخير، ونفر قلبه عن النور الذي أنزل على محمد وبالباطل آمن وبالحق كفر، فكيف لا يكون عن عطاء ربه وعن الكوثر والخير المبارك هو الأبتر، بل إنه وحده المبتور المثبور الأبتر، أليس بذلك هو الأولى والأجدر، بلى.

وبعد فلعلنا بهذا البيان قد اتضح لنا بعض ما يعنيه عنوان المسابقة وهو [القرآن في القرآن]. ومع ذلك فإننا لمن يريد المزيد سنزيد، وها نحن نقول للمستزيد: تأمل معنا آيات القرآن المجيد، وتدبر معنا سوره بقلبٍ رشيد، ستجد في النصف الأول منه سورتين تبدآن بالحمد لله وسورتين في النصف الثاني تبدآن به:

الأولى سورة الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4))، فهو يُحمد وله الحمد وحده؛ لأنه رب العالمين، ولأنه الخالق لهم أجمعين، ورحمته وسعت كل شيء في الدنيا ويوم الدين.

أما الثانية فهي سورة الأنعام: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)) والمعنى هنا واضح فالله يُحمد لأنه خالق السماوات والأرض والظلمات والنور.

ولو انتقلنا إلى النصف الثاني من القرآن سنجد سورتين تبدآن بالحمد لله لنفس السبب ولنفس الصفات هما سورة سبأ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(1)). وسورة فاطر: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا …(1)). هذه هي السور الأربع اثنتان في النصف الأول واثنتان في النصف الثاني من القرآن؛ فلو عدنا إلى منتصف القرآن فماذا نجد؟.

سنجد سورة الكهف وهي واسطة العقد تبدأ بقول الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1)). فالله يحمد هنا لأنه أنزل الكتاب على عبده، ألا تلاحظون هنا أن إنزال الكتاب يساوي خلق السماوات والأرض، إن هذا هو ما نستخلصه من السور الأربع، وفيها البيان الذي لا يخفى لمن تتبع، أليس في هذا ما يؤكد أن القرآن له شأنٌ هامٌّ في آيات القرآن، بلى، وأليس في هذا ما يبرر العنوان، بلى.

وبعد أيها الأعزاء: فلولا خوف الإطالة وتجاوز الدقائق المتاحة لنا لزدنا من البيان، ولكنا نكتفي اليوم على أمل أن نلتقي غداً بإذن الله لنعرف المزيد في مكانة [القرآن في القرآن].