القرآن في القرآن (29):إنا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

اليوم التاسع والعشرون من شهر الصوم، إنه آخر درجات سلم الصيام الأغر، الذي صعده الصائمون بإصرار وصبر، ولعلهم اليوم يشعرون بفرحة الفلاح، ونفحة النجاح عند ربهم العليم الفتاح؛ نسأل الله أن نكون ممن فاز بما يليق برب العالمين من العطاء الكريم، فلن نستطيع أن نقترح عليه ما نرجوه فهو الذي يعلم ما يصلح لنا ويفيد، فله نفوض الأمر وعليه نتوكل وهو الغني الحميد.

لقد قال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15)) [سورة فاطر].

وقال: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(38)) [سورة فاطر].

وقال: (..وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(18)) [سورة فاطر].

إذن فنحن الفقراء وهو العليم، وهو الغني الكريم، فلنكن مطمئنين إليه باقتناع، موقنين بأنه يعطي بلا انقطاع، لقد تعهد أن يزيد من شكر، وتوعد من كفر فقال: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)) [سورة إبراهيم].

وعليه: فإن القرآن إنما أنزل علينا لنشكر، فالله يحب لعباده ذلك الحال ليزيدهم من عطائه، ولقد قال: (إنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ..(7)) [سورة الزمر].

بل إن القرآن قد أنزل علينا لنهتدي إلى ربنا الواحد الذي بيده الملكوت، ولنكفر بالطاغوت، ففي ذلك ما نتمناه من العطاء والبشارات، (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(18)) [سورة الزمر].

والقول هنا المراد به القرآن، فمن استمعه بإحسان، واتبع أحسنه فله البشرى من الرحمن، إن هذا هو النبأ اليقين، وهو الحق والصدق من الله رب العالمين، فعلينا أن نصدق لننال الفوز المبين، وإلا كنا لأنفسنا ظالمين. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ(32)) [سورة الزمر]، بلى إن المثوى موجود ومعد لهم بلا شك، لكن الجنة معدة للمصدقين وعداً من الله أصدق القائلين، فقد قال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ(33)لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ(34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ(35)) [سورة الزمر].

أسمعتم الوعد؟، أسمعتم الوعيد؟، إن ذلك من الله الغني الحميد، القوي الشديد، ذو العرش المجيد، فعالٌ لما يريد.

إذن فإن ما أنزله الله من القرآن إنما هو رحمة للعباد، فلنبادر إلى ما يدعونا إليه؛ فإن ذلك هو الرشاد، (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ(41)) [سورة الزمر].

يا أخى بادر إلى الهدى، تنقذ نفسك من الردى، ومن نار اللظى؛ فإن كنت قد أخطأت فلا تقلق، فإن الله يفتح لك باب الرجاء، بل يفتح لك باب النجاة بلا مراء، استمع إليه وهو يعلن ذلك في أروع البلاغ: (قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)) [سورة الزمر].

قد تسأل: كيف يمكن أن أهتدي إلى سبيل المغفرة؟.

لكن الله يدلك فيقول: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(54)) [سورة الزمر].

إن ربك يشفق عليك من العذاب المباغت، ويدلك على الطريق الذي ينجيك ويجعلك من المنتصرين على إسرافك.

قد تسأل: وكيف أنيب إليه وكيف أعمل، وما هو السبيل؟.

إنه يدلك ويقول لك إن في يديك الدليل، وهو القرآن فهو نعم التنزيل: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ(55)) [سورة الزمر].

ألست تلمس هنا رحمة الله تنبهك، وتحب أن يبعدك عن العذاب؟، ألست تسمع نداء الله يوقظك وينذرك لتنجو من العقاب؟، فإذا سهلت وفرطت فأنت الجاني على نفسك، ولن ينفعك الندم يوم تعود إلى ربك، وقد تتمنى ولن تنال ما تتمنى. (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ(57)أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(58)) [سورة الزمر].

إنك ستتمنى أن تعود إلى الدنيا لتهتدي بهدى القرآن، وهي أماني لا تفيد فقد جاءك البيان، ولهذا يقول الله: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ(59)) [سورة الزمر].

إذن فلا منجاة من سوء المصير، فاستمع ربك الخبير: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ(60)) [سورة الزمر].

بلى إنها مثواهم، وهم إليها أوردوا أنفسهم: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(61)) [سورة الزمر].

من هم المتقون؟.

هم الذين بالقرآن يهتدون، فلهم اليسرى في الدنيا ويوم الدين؛ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(64)) [سورة يونس].

وهكذا فإن القرآن هو البيان والهدى، وهو النجاة وهو اليسرى، والله يقول لرسوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(89)) [سورة النحل]. صدق الله العظيم.

والآن أيها الإخوان، استعدوا للسؤال فإن موعده قد حان؛

ستجدون في الجزء التاسع والعشرين من القرآن، آية تؤكد بأسلوب مبين، أن القرآن حسرة على المكذبين؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.

***