القرآن في القرآن (22):وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

 السلام على المستمعين ورحمة الله ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم. ولعله من المفيد والجميل أن نكون على علمٍ ويقين بأن القرآن هو الخلق العظيم الذي كان عليه الرسول الكريم؛ فلقد قال له ربه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)) [سورة القلم]، وهو يعني أنه على هدى من القرآن، وعلى خلق حواه القرآن، فهو متمكن من هذا الخلق متمسك به، وهو خلق ارتضاه له ربه، ونعمة كبرى رضيها الله لمن اتبعه من الناس، بل ومن الإنس والجن وآمن به؛ ولهذا قال: (..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا..(3)) [سورة المائدة]، فهو كمال ونعمة، وهدى ورحمة، وهو خلق عظيم للأمة المسلمة؛ فإذا عملت به؛ سمت إلى القمة. فهل تريدون اليوم أن نعرف ما هو خلق القرآن وما هو الخلق العظيم الذي كان عليه الرسول الكريم؟!

تعالوا معي إلى سورة البقرة: (الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)).

فهو هدى شامل، عام كامل، لكل متق به عامل، وهذا الهدى خلق وسلوك يظهر على المتقين، وصفات تلازمهم في كل حال وحين؛ ما هي هذه الصفات؟، استمعوها وشاهدوها:

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)).

هذا هو الخلق العظيم؛ فالإيمان بالغيب يعني التسليم لله علام الغيوب، واليقين بأن ما يقضيه هو الحق وهو السلام والخير بلا ريب، فإذا أصابك شيء من الضر لا تحزن ولا تقنط، وإن أصابك الخير فلا تفرح ولا تبطر؛ بل تبقى مستمسكاً بربك الذي يعلم السر مستسلماً لحكمه في كل حال، وهذا هو الاطمئنان والسلام؛ فإذا تم هذا فإن الإنسان لا بد أن يقيم الصلاة، يعني لا بد أن يجعلها قائمة في أعماله وأحواله؛ فهو مطيع خاشع، وهو متواضع راكع، لا هلوع ولا طامع، بل في رحمة ربه يطمع وبها يفرح، ولهذا فهو ينفق بلا شح ولا من ولا أذى، ويوقن بأن له عند الله الجزاء، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى، وكيف لا يرضى ويرضيه ربه وهو ممن يصفهم بقوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، وقبل ذلك هم يؤمنون بكل ما أنزل على الرسل وبما أنزل على محمد خاتم النبيين. ومن هذه صفته فإنه يتخلق بأخلاق الأنبياء، ويمشي على الأرض هوناً، فهو يحب الناس ويقابل السيئة بالحسنى والجهالة بالسلام، فلا يعتدي ولا يحسد، ولا يطغى ولا يحقد، بل يعطي موقناً بأن ما عند الله هو الباقي وكل ما على الدنيا ينفد، وبهذا يعم الأرض السلام، ويظل الناس الحب والوئام، فاليقين بالآخرة يصلح الدنيا والآخرة ويسعد الأنام.

وهكذا فإن السعادة تلوح لمن هم متصفون بهذه الصفات وهذا هو الخلق العظيم، ولهذا فإن الله يشير إليهم بإشارة التعظيم فيقول في نهاية الآيات: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(5)).  فهم على هدى من ربهم متمكنون، وربه مستمسكون، وإلى الحسنى سائرون، وهم وحدهم المفلحون، فالفلاح صفتهم التي لا تزول عنهم ولا هم عنها يبعدون. أليس في هذا الخلق القرآني ما يسعد الإنسانية وما يجعل الحياة جنة دانية هنية؟! بلى.. هذا هو خلق القرآن، وهذا هو الخلق العظيم؛ الذي كان عليه الرسول الكريم، وهو متاح لكل مسلم مؤمن بهذا القرآن الحكيم.

وبعد؛ تعالوا معي إلى آيات أخرى توضح لنا حال الإنسان حينما يكذب بالقرآن، لنقرأ أوائل سورة القلم والله سبحانه يخاطب رسوله الكريم بقوله: 

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)).

 ولقد عرفنا أن الخلق العظيم هو القرآن الذي سماه الله هنا “نعمة ربك” فهو النعمة، وهو الخلق العظيم، ثم قال له بعد عدد من الآيات: (فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ(8)وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)). بل استقم صامداً على خلق القرآن العظيم، مستمسكاً بنعمة ربك الكريم، ولقد بين الله خلق المكذبين بقوله: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ(13)).

أسمعتم وشاهدتم هذه العيوب والعاهات؟! أشاهدتم هذه الشوان الرديئة المنتنة لهؤلاء المكذبين بالقرآن؛ إنها صفات المكذبين وميزاتهم في كل زمان ومكان؛ فهم يحلفون كل حين وكل حال في ذل وهوان، وهم يهمزون ويلمزون الناس لينالوا بعض المتاع المهان، وهم يمشون بالنميمة بين الناس بإلحاح وإصرار ليفسدوا الوئام، وليشعلوا الحرب في الحب والسلام، ومع ذلك فهم يكثرون من منع الخير للناس بشكل عام، بل ويعتدون على القوانين والقيم وعلى حدود الله، ولا يبالون بالآثام، وهم معروفون بين الناس بأسوأ العادات، مشهورون برديء الأفعال والأقوال التي تثير العداوات، فكل واحدٍ منهم عتلٍّ زنيم، مشهور بالخلق الذميم، إن اتصافهم بهذه العاهات سببه عبوديتهم للمال، (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14))، ولهذا كذب واستهزأ بالقرآن (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(15))، لكنه رغم هذه الصلافة موسوم بالهوان والشراهة المذلة، وكيف لا والله يقول: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ(16))، فهو ذو خرطوم طويل، يأكل ويتمتع كالفيل، فبئس الحال والوصف الوبيل.

هذه هي سمات المكذب بالقرآن، إن ربه المعبود هو المال؛ لكن المؤمن به له خلق عظيم، وربه الله ذو الجلال.  فأي الفريقين أحق بالأمن والسلام؟، إنه فريق الإيمان بالقرآن، وبه يسعد الإنسان، في كل زمانٍ ومكان.

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان؛ ستجدون في الجزء الثاني والعشرين من القرآن الكريم، آية كريمة تعلن أن العلماء هم الذين يرون أن المنزل على محمد هو الحق من الله وأنه الهادي إلى صراط الله؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله. 

(9٬654) تعليق