القرآن في القرآن (21):مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

 السلام على المستمعين ورحمة الله ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم.

لقد كان عرفنا كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكاً بالقرآن مثبتاً من ربه في حالة التلقي وفي حالة التبليغ. 

وكيف لا وهو يتلقى القرآن من ربه الكريم الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير؛ فعليه التوكل، وإليه المصير.

 وعلى هذا الأساس العظيم، والمقام الكريم؛ كان القرآن هو النور الذي يونس الرسول وينير، وهو الخلق الذي به يهتدي وعليه يسير، فإذا استهان به المكذبون؛ فالله ربه معه يثبت ويعين، ويأتيه باليقين في كل حين، (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)) [سورة القلم].

نعم إن من يقول إنك لمجنون؛ فإنه هو المجنون، أما أنت يا محمد فأنت بالقرآن في نعمة ونور، وعطاء كبير. فبلغ هذا القرآن، وحدث بهذه النعمة؛ فإنك موعود بما ترضاه ؛ (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)) [سورة القلم].

هكذا هو بالقرآن له الأجر المستمر الوافر الذي لا ينقطع، ثم هو بالقرآن يمضي على خلق عظيم، فهو متمكن من هذا الخلق، متمسك به بيقين؛ إنه خلق ارتضاه الله لكل عباده المؤمنين، ومن كذب به فإنه عن الخير مقطوع، وعن الخلق مخلوع (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ(5)بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ(6)إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(7)فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ(8)وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)) [سورة القلم].

هكذا هو السبيل الذي يسلكه الرسول، لقد تمسك بالقرآن موقناً بأنه هو الخلق، منفذاً قول ربه العليم: (فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)) [سورة الفرقان].

ألا وإن البيان في القرآن هو أقوى وسائل الجهاد، ولهذا فإن المكذبين كانوا يرتعبون منه ويقلقون (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ..) إنه اقتراح يدل على رعبهم من البينات، وخوفهم من الهدى، لكن الرسول ثابت في الجهاد والبلاغ (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)) [سورة يونس].

إن مجاراتهم في الحوار، والرد على اقتراحاتهم باصطبار، هو الخلق الذي ارتضاه الله الغفار، ولهذا فإنه يتوجه إلى الناس بهذا النداء اللطيف: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(57)قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)) [سورة يونس].

بل إنه يعيد النداء، ويترك الخيار للناس بين الضلال والهدى، (قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ(108)) [سورة يونس].

إن الناس أحرار في الاختيار، وما على الرسول إلا البلاغ والاتباع لما يوحى؛ (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ(109)) [سورة يونس].

إن القرآن هو الحق ولا يضره مكر المكذبين، بل هم يضرون أنفسهم، (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81) وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)) [سورة الإسراء]، (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا..(29)) [سورة الكهف]

هذا هو مصير المكذب الظالم المكّار، إنه النار. 

ورغم هذا التهديد والوعيد؛ فإن المكذبين في موقف عتيد؛ (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(25)وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(26)) [سورة الأنعام]

لكنهم رغم هذا الجدال العنيد؛ سيندمون على التكذيب بالقرآن؛ (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(27)) [سورة الأنعام]

ولإيمان الرسول بأن القرآن هو الحق من ربه؛ فإنه استقام يجاهد نهارا بالقرآن وبه يتهجد ليلاً؛ فهو مع القرآن في كل حال؛ (يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1)قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4)) [سورة المزمل].  

(وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا(80)) [سورة الإسراء]

هكذا كان الرسول؛ القرآن زاده وربه جهاده، وإليه معاده؛ (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(85)) [سورة القصص].  

فهو مفروض عليه حمل هذا القرآن إلى العباد وجزاءه من ربه يوم المعاد، وإنه لفضل ناله من ربه ورشاد، فلقد اختاره الله لهذه المهمة، ولم يكن على علم بها ولا يتوقعها (وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ..(86)) [سورة القصص]

فنعم ما ناله محمد الرسول، من ربه الجليل؛ إنه فضل عظيم ورحمة، وعطاء كريم ونعمة، وبهذه النعمة فليحدث الناس: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11)) [سورة الضحى]، وبهذا القرآن فلينذر: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ..(45)) [سورة الأنبياء]، (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1)قُمْ فَأَنذِرْ(2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)) [سورة المدثر]، (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى(10)) [سورة الأعلى]، (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ(11)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(12)فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ(13)مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ(14)بِأَيْدِي سَفَرَةٍ(15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ(16)) [سورة عبس].

 وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان: ستجدون في الجزء الواحد والعشرين من القرآن، آية كريمة تصف من ينصرف عن اتباع ما أنزل الله بأن الشيطان يدعوه إلى النار؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.