القرآن في القرآن (19):وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله، وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام عليكم أيها المستمعون ورحمة الله، ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم.

لعلنا قد عرفنا فيما سمعنا من الحلقات والآيات؛ أن للقرآن في القرآن بياناً لا يخفى على أولي الألباب؛ وكيف لا وهو العلم الذي يرفع الإنسان إلى مقام الأنبياء، وهو وحده البيان والكتاب؛ (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)) [سورة البقرة] (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)) [سورة يوسف].

وأمام هذه الصفات الكريمة والميزات العظيمة للقرآن؛ كان لا بد للإنسان أن يستقبله بإنصات وإمعان؛ عسى أن ينال بذلك رحمة الله؛ (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)) [سورة الأعراف].

وإنه لأدبٌ يحبه الله للإنسان، ولكل من سمع القرآن؛ لكن الناس عن هذه الرحمة والعلم في ذهول، وأما الجن فقد تأدبوا بأدب الله الذي أحب، وهذا ما يخبرنا الله عنهم فيقول لرسوله محمد: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا..(29)) [سورة الأحقاف].

أسمعتم ماذا قالوا؟!

لقد قال بعضهم لبعضٍ : أنصتوا. ولقد أنصتوا واستمعوا بإمعان؛ يدل على ذلك قول الله عنهم: (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29)) [سورة الأحقاف].

نعم؛ فالمراد هو السمع والطاعة، وإبلاغ القرآن إلى كل جماعة؛ فلنستمع إلى الجن وهم يبلغون: (قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30)) [سورة الأحقاف].

لقد فهموا القرآن ووصفوه بأوصافه التي وصفه الله بها، وكانوا على علمٍ بكتاب موسى، بل كانوا على ملته؛ لكنهم حين جاء القرآن آمنوا به لعلمهم أنه مصدق لما معهم.

ومن هذا نفهم أن كل الرسل قد أرسلهم الله إلى الإنس والجن، وأن الجميع مسئولون أمام الله عما جاءهم به الأنبياء؛ فالله يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) [سورة الذاريات].

ثم هو يوم القيامة يسأل الفريقين عما جاءهم من الرسل:

(يا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا..(130)) [سورة الأنعام]. فالرسل مرسلون إلى الجن والإنس أجمعين.

وعلى أي حالٍ فإن الجن قد بلغوا ما سمعوا إلى قومهم: (يا يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)) [سورة الأحقاف].

لقد دعوا قومهم بإخلاص، وبهذا استحقوا أن تسمى باسمهم سورة من القرآن، هي سورة الجن؛ وهي سورة عظيمة، ومن تأملها يجد أنهم قد وعوا واستوعبوا أهم حقائق القرآن الجليلة وبلغوها لقومهم بكلمات موجزة قليلة: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ..

لقد أوحى الله إلى رسوله أن نفراً من الجن استمعوا القرآن وهو يتلوه على الناس، ومعنى هذا أن الرسول لم يكن يعلم باستماعهم إلا بهذا الوحي من ربه، ولهذا فإن الله بين له ولنا ماذا كان أثر القرآن في الجن، وماذا كان دورهم فلنستمع:

(فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(2)) [سورة الجن].

فالرشد مطلبهم، والإيمان به مأربهم، والنتيجة هي توحيد ربهم، ولم يكتفوا بالتوحيد، بل أضافوا إليه تنزيه ربهم عن التشبيه والتجسيد؛ فقالوا: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا(3)) [سورة الجن].

إذن فلقد أدركوا الحق عن الله في القرآن، وعرفوا أن السفاهة والشطط هي ما يردده الناس بلا علمٍ من الله ولا سلطان؛ (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(5)) [سورة الجن].

لكنهم الآن أيقنوا أن البيان الحق هو في القرآن، ولقد جاءهم في القرآن الاطمئنان، (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)) [سورة الجن].

وكيف يخاف وهو عبد الله العليم بالسر وأخفى، ولهذا فقد أعلنوا الاستسلام له بلا مراء؛ (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا(14)وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(15)) [سورة الجن].

وهكذا استبان الجن القرآن، وأيقنوا أن فيه البيان، وأنه الحق والبرهان؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)) [سورة الرعد].

موسيقى

والآن أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء التاسع عشر من القرآن، آية واضحة الفرقان، تعلن أن الله قد صرف القرآن بيننا لنتذكر؛ لكن أكثر الناس كفر؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.