القرآن في القرآن (18): وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

 

السلام عليكم أيها الأخوة الكرام، ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم.

 

وإننا لندعوكم اليوم إلى مقام من مقامات القرآن رفيع، وإلى دور رائع بديع، ذلك هو أن القرآن حدثٌ هامٌّ من أحداث الزمان، تأثرت به الأكوان، وأصلحت به الأحوال، وعلم به الملأ الأعلى بفرح واطمئنان، وأحس به الجان فنحن نسمعهم يقولون: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8)وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا(9)) [سورة الجن].

 

لقد تأثر الجن وانبهروا، وآمنوا به واستبصروا، لكن الإنس كانوا أمام هذا النور في عمى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ..) [سورة الأنبياء].

 

نعم إن القرآن تصحيح لما حرفه الناس بالأهواء، وبيان لما أخفاه الناس بعد الأنبياء؛ ولهذا فإن الله يقول لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(16)) [سورة المائدة].

 

فالقرآن كتاب مصدق لما سبقه من الكتب، ومصحح لما تحرف منها، ومبين لما اختلف فيه الناس بالبغي والأهواء؛ فلقد تنوعت وتعددت الانحرافات والافتراءات عند الناس كلهم، كما تكاثرت الادعاءات عند اليهود والنصارى، (وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ..

 

لكن الله يصحح لهم هذا الافتراء: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ..(18)) [سورة المائدة].

 

(وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30)) [سورة التوبة].

 

(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى..). لكن الله يرد عليهم: (..تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)) [سورة البقرة].

 

بل ويصحح القضية فيقول: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(112)) [سورة البقرة].

 

وهكذا كثير من الآيات التي تحكي كثيراً من الافتراءات، وتصحح الانحرافات، ولعل أشدها انحرافاً: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ..(17)) [سورة المائدة] إنه كفر وافتراء على الله وعلى المسيح، أما المسيح فلم يقل لهم إلا (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(36)) [سورة مريم].

 

لكنهم استمروا في الانحراف والافتراء: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ..) والله يردهم إلى الحق فيقول: (..وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ..(73)) [سورة المائدة].

 

ومن خلال هذا الاستعراض السريع لبعض الآيات، يتضح أن القرآن جاء يصحح الافتراء، ويبين ما أخفاه الناس اتباعاً للهوى، ويعيد الناس إلى الحق والهدى، وكما اختلف أهل الكتاب واختلقوا كثيراً من الأقوال والأماني؛ فإن غيرهم من الأمم تطاول عليهم الأمد فاختلقوا واختلقوا وخرجوا عن طريق الحق وعما جاء به الأنبياء؛ فجاء القرآن ليبين لهم ما اختفى، وهذا هو ما يعنيه الله في قوله لرسوله محمد: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ..) [سورة النحل].

 

لكن الناس جهلوا ما أنزل الله إليهم من قبل واختلقوا ما لم ينزل به الله سلطاناً؛ فكان لا بد من البيان وإعادة الناس إلى الدين الحق، ولهذا يقول الله عقب ذلك لرسوله محمد خاتم النبيين: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)) [سورة النحل].

 

فالذكر الذي هو القرآن، قد أنزل على محمد خاتم النبيين؛ ليبين به للناس ما أنزله الله إلى الأنبياء السابقين ليعودوا إليه، فدين الله واحد، وليتفكروا ويعلموا أن إلههم واحد، فلقد أوحى إلى كل الأنبياء بقوله: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)) [سورة النحل].

 

فهو الذي يُرجى ويُدعى، ويُعبد ويُخشى، ويُحمد ويُتَّقى؛ لكن الناس اختلفوا حول هذه الحقائق الكبرى، واختلقوا ما تمليه الشهوات والأهواء؛ (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ(57)) [سورة النحل].

 

وأمام هذا الانحراف المفرط، والخلاف المنحط، كان لا بد من إخراج الناس من ظلمات الخلاف إلى نور البيان، فقال الله لرسوله خاتم النبيين: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(64))[سورة النحل].

 

فالكتاب الذي هو القرآن قد أُنزل لبيان ما اختلف فيه الناس، وليعود الناس إلى دين الحق والهدى والرحمة، وهذا هو الحياة، ومن خرج عنه مات، ولا يحيا إلا من استمع الآيات؛ وهذا ما يؤكده الله عقب ذلك فيقول: (وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(65)) [سورة النحل].

 

موسيقى

 

والآن أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان؛

 

ستجدون في الجزء الثامن عشر من القرآن، آية منيرة البيان، تؤكد أن الله قد أنزل إلينا آيات مبينات مثلما أنزل على السابقين من الآيات؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.