القرآن في القرآن (17):كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام عليكم أيها المستمعون ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم.

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ..(9)) [سورة الإسراء]،

(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)) [سورة البقرة].

(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)) [سورة هود].

(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ(4)) [سورة الزخرف].

بهذه الآيات، وبهذه الصفات وصف الله القرآن في مختلف السور، وبمختلف أساليب البيان، وإن شئتم المزيد فاستمعوا:

(..وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41) لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42)) [سورة فصلت].

(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ(67)أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ(68)) [سورة ص].

(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(29)) [سورة ص].

(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)) [سورة ص].

ثم إن الله يؤكد أن هذا الذكر منزل من عنده، بل ويؤكد ذلك أقوى توكيد ويقول:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)) [سورة الحجر].

وعليه: فإن هذا الذكر لم يكن إنزاله ليهمل وينسى؛ بل ليعمل به ويتلى، ولم يكن كلاماً عادياً، بل علم رباني من تذكر به يحيا. (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ(69)لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ(70)) [سورة يس].

وهو مع ذلك علم يعرفه الأولون:

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ(194)بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ(196)) [سورة الشعراء].

وهكذا يتأكد لكل الناس أن هذا القرآن قد أنزل محفوظاً ومصاناً من الوسواس الخناس، وأن محمداً قد بلغه كما أنزله إليه ربه بلا زيادة ولا نقصان، ولا تردد ولا إدهان، بل إتقانٍ وإحسان، وإيمان بربه الرحمن: (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا(4)الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5)) [سورة طه].

والله قد جعله فضلاً للنبي الكريم الأمين، ونعمة ورحمة للعالمين: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ(87)لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ(89)) [سورة الحجر].

ولقد شكر الرسول هذا العطاء من ربه وحمل ما آتاه بصبر وثبات، مطيعاً قول ربه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ(94)) [سورة الحجر].

ولقد صدع الرسول بما أمره الله ولم يتراجع ولم يدهن، وكيف لا والله قد ثبته وصد محاولات الفتانين والمكذبين : (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا(75)) [سورة الإسراء].

وهكذا يتأكد لكل الناس أن الرسول مثبت من ربه ليبلغ ما أنزل إليه، ومعصوم من الافتتان بمكر الناس: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)) [سورة المائدة].

ومع التكليف والتحذير فإن الله يأتيه بالتأمين والتبشير، والوعد الجميل: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1)) [سورة القلم]، إنه قسم بالقلم، على ماذا يقسم الله؟، على قوله لرسوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)) [سورة القلم].

وما هو الخلق العظيم؟.

إنه القرآن الكريم، وعليه فإنه يقول له: (فَلَا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ(8)وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)) [سورة القلم].

هكذا جاء في سورة القلم. أما في سورة الحاقة فإن الله يقسم بكل شيء ويقول: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38)وَمَا لَا تُبْصِرُونَ(39)إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(40)وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ(41)وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(42) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(43)) [سورة الحاقة].

إن الله رب العالمين هو المنزل، وهو الحارس المراقب لما أنزل، ومراقب للرسول، ولهذا قال الله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47)) [سورة الحاقة].

إنه التهديد بالقتل والتنكيل، وإن ذلك هو الذي يعلمه الرسول من ربه العليم القدير، وكيف لا والقرآن كما يصفه ربه: (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(48)) [سورة الحاقة]، ثم يقول: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ(51)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(52)) [سورة الحاقة].

فسبحان الذي أنزل القرآن، وحرسه من كل بهتان، إنه الله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(28)) [سورة الجن].