القرآن في القرآن (16):إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم.

اليوم سنعرف حقيقة شريفة هامة عن تنزيل القرآن، وهي حقيقة تؤكد للإنسان المتردد المرتاب؛ أن هذا القرآن هو الحق المنزل من الرحمن الوهاب.

ومن تأمل الآيات المتعلقة بالموضوع؛ يجد أن القضية تبدأ بالقسم بالنجوم، ولكن بأساليب متعددة؛ ففي سورة الواقعة مثلاً نقرأ قوله تعالى:

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(80)).

فالله يقسم وهو الصادق، يقسم بمواقع النجوم، ثم يؤكد أن هذا قسم عظيم، لو كان الإنسان يعلم ما هي المواقع وما هو الموضوع، ولكن الإنسان غافل عن هذا الأمر العظيم، والله العلي العظيم يقسم بذلك على ماذا؟ على شيء هام عظيم، وهو قوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ).

فالكرم صفة القرآن، وهو مكرم لمن سمعه وطاع، ثم إن هذا القرآن محفوظ في كتاب مكنون، أي في نظام مستور محفوظ عند ربه العلي العظيم، وهو لا يتنزل إلا بأيدٍ كريمة مطهرة، هم الملائكة المطهرون، وهذا هو معنى (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، أي أن تنزيله بالملائكة لا سواهم، فهو منزه عن كل رجس شيطاني أو افتراء إنساني؛ بل هو كرم رباني، (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فأكرم به وأعظم من تنزيل، إنه رب العالمين؛ الذي يعلم كل شيء ويدبره، ويخلق كل شيء ويقدره، ويرزق كل شيء ويسيره، ولما خلقه ييسره، فكيف لا ينزل على الإنسان هذا القرآن ليهديه إلى الحق والإحسان؛ لكن الإنسان رغم ذلك لا يحمد الله على هذا الفضل ولا يشكر، بل يتردد ويدهن؛ ولهذا جاء التساؤل الرباني المخيف، فقال الله: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ(81)وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(82)) [سورة الواقعة].

إنه سؤال مخيف، وعلى الإنسان أن يستحيي ولا يحيف، فيستجيب لربه ويتجه إلى القرآن بقلبٍ سليمٍ شغوف؛ لينال عند ربه المقام الكريم الشريف، فإن جعل رزقه من القرآن هو التكذيب، فهو المصير الرهيب، وهكذا كان القسم في سورة الواقعة بمواقع النجوم؛ فإذا انتقلنا إلى سورة النجم نجد قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى(1))؛ إن القسم يتكرر ولكن بالنجم، والمراد بالنجم هنا هو جنس النجوم؛ فالألف واللام للجنس؛ فالله يقسم بالنجوم كلها، وهي آية عظمى من آيات ربها، على ماذا يقسم الله؟! إنه يقسم على قوله بعد ذلك: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)). إن المشركين المكذبين لما سمعوا محمداً الرسول يتلو القرآن، ويدعو إلى ربه الرحمن؛ قالوا هذا رجل قد ضل عن دين الآباء، وغوى عن السبيل المعهود للملأ؛ لكن الله يقسم بالنجوم كلها على أن صاحبهم المعروف لهم هو أكثر عقلاً وأرجح وأحسن عملاً وأصلح.

(مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، وكيف يضل ويغوى وهو لا ينطق إلا بالقرآن وإلا بالهدى.

 (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)) ليس القرآن الذي ينطق به منطلقاً من هواه، وليس قولاً افتراه؛ بل وحيٌ تلقاه.

(إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)) نعم إنه وحي يوحى إليه من ربه الذي اختاره واصطفى. أما كيف جاءه هذا الوحي وكيف تلقاه؛ فإن البيان يأتي مباشرة:

(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(6)وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى(7)ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9)). إنه جبريل، إنه الروح الأمين نزل به على قلبه، وأوحى به من ربه. 

(مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11)أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى(12))؟!. أي أن فؤاده على علمٍ ويقين أن هذا القرآن وحي من رب العالمين، فكيف تمارونه على علم يعلمه ويراه، ويقينٍ أتاه؟!.

 وبعد: فإذا تابعنا السور والآيات؛ لوجدنا القسم بالظواهر السماوية، يتكرر من الله على نفس القضية، وهي القرآن؛ ففي سورة التكوير يقول الله:

(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ(15)الْجَوَارِي الْكُنَّسِ(16)وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ(17)وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ(18)).

لقد أضاف إلى النجوم آيتي الليل والصبح، وعلى أيٍ فالخنُس هي النجوم العظمى التي تخنُس من مواقعها ثم تكنُس أي تختفي في مواضعها.

ثم على ماذا هذا القسم الكوني؟

إنه على قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19)ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(21)).

أي أن القرآن قول ملقى على محمد من رسول كريم هو جبريل الموصوف بتلك الصفات الدالة على التمكن والقوة والقرب والأمانة.

إذن فإن المتلقي لا بد أن يكون على علمٍ ودراية بما يتلقى من ربه؛ ولهذا قال: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ(22)وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ(23)وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ(24)وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ(25)).

بعد هذا البيان عن القرآن يقول: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ(26))؟.

إنه سؤال من الله مخيف للناس أجمعين، أين هم ذاهبون والعلم والهدى بين أيديهم يقودهم إلى الحق المبين (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(27))؛ أي ليس هذا القرآن إلا علم فيه الهدى والحكمة والنور والرحمة للإنس والجن أجمعين.

غير أنه لا ينال هذا العطاء إلا من أحب الاستقامة على الهدى؛ ولهذا قال: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ(28)). فمن شاء الاستقامة هداه ربه العليم، أما من لم يشأ فقد ذهب في سبيل الضلال البهيم، وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(29)).

اللهم اجعلنا ممن آتيتهم هداهم وتقواهم.. آمين.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان ، فإن السؤال الآن؛

ستجدون في الجزء السادس عشر من القرآن، آية كريمة، تعلن للرسول أن القرآن لم يُيسَّر بلغته العربية إلا للتبشير والإنذار؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.