القرآن في القرآن (15): أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم.

لقد أدركنا في الحلقات السابقة أن القرآن هو القضية الكبرى التي كان الحوار يدور حولها بين الرسول وبين معاصريه من المشركين والمنافقين وأهل الكتاب؛ بل هو القضية الوحيدة والأساسية، فالإيمان به هو الإيمان بالرسول والتصديق بما جاء به ومن لم يؤمن بالقرآن فإنه يبقى في ارتياب؛ ولهذا فإن الآيات الموجهة إلى أهل الكتاب لا تطلب منهم إلا الإيمان بالقرآن (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ..(41)) [سورة البقرة]. (يا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(47)) [سورة النساء].

ولو راجعنا سورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة لوجدنا هذا الحوار مع أهل الكتاب آخذاً مساحة واسعة فيها.

أما مع المنافقين فإن الحوار معهم في أكثر السور المدنية يتوالى، ولا تكاد تخلو منه سورة، ففي سورة النساء يقول الله عنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(61)). وفي السورة نفسها يرد قوله تعالى: (بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(138)الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا(139)) وفي نفس السورة يقول عنهم: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82))، وهكذا في التوبة وفي النور وفي الأحزاب وفي الفتح وفي سورة محمد وفي كل سور الجزء الثامن والعشرين المسمى بجزء "قد سمع".

وعلى أي حال فالله يقول عنهم في سورة محمد:

(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ(25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ(26)).

بل لقد جاءت سورة خاصة بالمنافقين: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ(1)). ثم يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ(3)).

وهكذا فإن القرآن هو المحور وفيه الحوار بين الرسول وبين من حوله من المؤمنين والمنافقين ومن أهل الكتاب والمشركين.

ولئن كان المشركون يقولون أحياناً افتراه وأحيانا سحر وساحر وأحياناً مجنون أو كاهن أو هو شاعر، ثم أساطير الأولين؛ فإنهم قد يقترحون عليه مع ذلك مقترحات تدل على اضطرابهم وقلقهم: (وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6)لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ(7)) [سورة الحجر]. لكن الله يرد عليهم: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ(8)) [سورة الحجر]، يعني لو نزلنا ملائكة لكان العذاب والهلاك؛ بل لقد قال عن هذا الاقتراح: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ(9)) [سورة الأنعام].

وهكذا دفع كل أباطيلهم وتخرصاتهم؛ لكنهم مع ذلك استمروا في المراء فألحوا على الرسول أن يأتيهم بآية كما أرسل الأولون؛ أي كما جاء صالح بالناقة وموسى بالعصا؛ لكن الله يقنعهم بأن سابق الآيات قد بُدلت وقد جاء القرآن يغني عن كل آية وينسخها، فهو الآية الكبرى والبينة العظمى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(106)) [سورة البقرة]، (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101)) [سورة النحل]، (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(102)) [سورة النحل]، بل إن الإرسال بالآيات قد امتنع، وعلى الإنسان أن يقتنع؛ (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا(59)) [سورة الإسراء]؛ ثم إن هناك شيئاً هاماً لا بد أن يُعلم وهو أن الآيات إذا جاءت ولم يؤمنوا فإن الهلاك هو المصير بلا شك: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا(101)) [سورة الإسراء].. إلى أن يقول: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنْ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا(103)) [سورة الإسراء]. بل إن الله ليؤكد للرسول أن الآيات لا يمكن أن تأتي إلا بإذنه فعليه أن يقتنع بامتناعها مع وجود القرآن (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ(38)يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(39)) [سورة الرعد].

بل ويقول الله لرسوله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ(35)) [سورة الأنعام].

ولو استعرضنا الآيات التي تعلن امتناع الآيات التي كان يطلبها المشركون من الرسول وتقنع الرسول بأن القرآن هو آيته الكبرى ودليله الدامغ، لو عملنا ذلك لطال المقال؛ ولكنا نختم هذا الاستعراض السريع بما جاء في سورة العنكبوت:

(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..).

نعم كفى بالقرآن آية، وكفى بالله شهيداً، وهكذا يتكرر هذا القول المقنع في كثير من السور:

(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ(43)).

هكذا جاء في آخر سورة الرعد، وجاء في آخر فصلت قوله تعالى:

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)).

موسيقى

وبعد أيها الأعزاء الكرام، فإن السؤال الخامس عشر قد حان؛

ستجدون في الجزء الخامس عشر من القرآن، آية تأمر الرسول أن يتلو الكتاب الموحى؛ فإن كلمات ربه لا مبدل لها، وربه وحده هو الملتجأ؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.