القرآن في القرآن (14): لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

فإن من تأمل آيات القرآن يتأكد له أن الله اللطيف الخبير؛ قد اختار أن ينزله على رسوله مفرقاً مرتلاً ترتيلا؛ لأسباب وأسرار يعلمها الله العليم القدير، فهو الخبير بحال العباد والبصير.

ولقد بين الله بعض تلك الأسرار والأسباب فقال رداً على الكافرين المعاندين: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)؛ إنهم يقترحون أن يلقى عليه القرآن بلا تفريق، لكن الله يرد على المعاندين بقوله: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا(32)) [سورة الفرقان].

فإن استمرار التنزيل متوالياً، واستمرار صلة الرسول بربه في كل تنزيل، يجعل الرسول في حال اطمئنان وثبات، واستئناس بربه في كل الحالات، وكيف لا وقد اختاره ليحمل الهدى إلى العالمين، وليواجه قوى الضلال والطغيان بالبيان المبين، فلا بد أن يستمر معه ربه مثبتاً بالآيات؛ ليكون على ثقة بأن الله المنزل، وليكون على يقين بأن ربه هو المرسل، فهو بهذا لا يضعف ولا يَزِل، بل يبقى على المهمة ولا يهمل، ويبقى معه كل المؤمنين ثابتين وكل واحد للمهمة يحمل.

لعل هناك من يسأل قائلاً:

إذا كان القرآن لم يتنزل جملة واحدة، فكيف تنزل؟، هل تنزل سوراً أم آيات؟.

لعل الجواب المشهور بين الرواة هو أنه تنزل آيات مقطعة، لكن آيات القرآن تثبت غير ذلك، وإليكم الدليل:

إن الله لم يتحد المكذبين إلا بأن يأتوا بسورة أو بعشر سور أو بالقرآن كله، وهذا يعني أن المعهود عند الجميع أن التنزيل لم يكن إلا سوراً كاملة، بل لقد أوضح الله هذه الحقيقة فيما يحكيه عن المؤمنين المعاصرين للرسول وللتنزيل: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ).. إلى آخر الآية [20] في سورة محمد.

إذن فالمعهود عند المؤمنين وعند الله هو إنزال السورة، بل إن هذا هو المعهود حتى عند المنافقين، (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64)) [سورة التوبة].

وتستمر آيات سورة التوبة لتؤكد أن هذه الحقيقة هي المعهودة عند الله وعند رسوله وعند المعاصرين للرسول وللتنزيل؛ فالله يقول:

(وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا..).

هكذا، فكلما أنزلت سورة أحدثت هذا الأثر، وأثارت عدداً من الأحوال المتباينة بين الناس، (..فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(125)) [سورة التوبة].

بل إن هناك حالة نراها عن المنافقين الذين يضيقون بالقرآن وهي صورة مضحكة مزرية، فلنشاهدها: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ..) [سورة ]، أي هكذا يقول بعضهم لبعض أو هذه لسان حالهم، ثم ماذا: (..ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ(127)) [سورة التوبة].

إنهم لا يفقهون، فقلوبهم مصروفة عن الحق المبين، وعلى أي حال فهذه الآية تدل بالمنطوق والفحوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كلما أنزلت سورة يجمع الحاضرين من المؤمنين إلى مكان واسع ليقرأ عليهم السورة؛ لكن المنافقين حين يحضرون يضيقون بالتلاوة فيراقبون العيون حولهم؛ فإذا لاح لهم أن أحداً لا يراهم انصرفوا عن الاجتماع، وتسللوا عن الاستماع،       ولا شك أن اختلاسهم عن الأنظار، وانصرافهم من بين الحاضرين يدل على أن الاجتماع واسع، وأن الحاضرين كثير، فهناك شيء هام وهو إنزال سورة، وهو إنزالٌ يستحق الاهتمام؛ ثم إن كان لا بد لنا ولكم من زيادة في أدلة التأييد؛ فإن الله يبدأ سورة النور بقوله: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1)).

بل ويقول في آخر سورة هود بعد أن قص قصص الأنبياء:

(وكلاً وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(120)).

إن كلمة "هذه" إشارة على السورة؛ فهي تؤكد أن السورة أنزلت كاملة، ثم إن الله يقول في آخر سورة يوسف:

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102)).

وهكذا قال في آخر سورة طه بعد أن قص قصة موسى وفرعون: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ..(99)).

وكل هذا دليل على أن السور تنزل كاملة، ولو استقصينا السور التي يشير الله في آخرها أنها أنزلت كاملة لطال المقام، ولكنا نكتفي بقوله في أول سورة الشورى: (حم(1)عسق(2)كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3)).

وقال في آخرها: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ..) إلى آخر الآية [52].

وسورة البقرة بدأت وختمت بالحديث عن القرآن، ولقد جاء في سورة الدخان: (حم(1)وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(2)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ(3))، ثم قال الله في آخرها: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(58)). والضمير يعود إلى القرآن، ثم قال: (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ(59))، كما قال في أولها: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ(10))، وقال في أول سورة "ص": (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1)). وقال في آخرها: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)).

أليس في هذه الأدلة ما يؤكد أن القرآن كان ينزل سوراً كاملة:

موسيقى

والآن أيها الأعزاء، استمعوا السؤال فإن موعده قد حان؛

ستجدون في الجزء الرابع عشر من القرآن، آية كريمة البيان، تعلن أن القرآن أنزله روح القدس من رب العالمين تثبيتاً وهدى وبشرى للمسلمين؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.