القرآن في القرآن (13): إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم.

من المهم أن نعرف اليوم أن الحوار بين النبي الكريم، وبين الناس المعاصرين له من المشركين إنما كان يدور حول القرآن؛

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ..(4)) [سورة الفرقان].

هكذا قالوا، وهكذا أشاروا إلى القرآن بكلمة "هذا" مما يدل على أنه كان حاضراً في أذهانهم، وكان شغلهم الشاغل، وهمهم المذهل، لكن الله يرد على قولهم بقوله: (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا(4)) [سورة الفرقان].

ثم نستمع مقولة أخرى منهم حول القرآن، هي قولهم:

(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5)) [سورة الفرقان].

إنهم يدعون أن القرآن أساطير من الأمم السابقة، وأن محمداً يكتبها، وهي تملى عليه في كل حين، وهي دعوى باطلة يرد عليها الله بقوله:

(قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6)) [سورة الفرقان].

هكذا يتوالى الحوار وتتوالى الادعاءات، والله يبطلها بأروع الآيات، لكن كل هذه الأقوال والمزاعم الكافرة؛ تدل على اضطرابهم واستشعارهم بالعجز عن مواجهة الآيات، والخطر أمام البينات؛ ولهذا يقول الله واصفاً حالهم:

(انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(9)) [سورة الفرقان].

وعلى أي حال فرغم اضطرابهم وضلالهم السبيل؛ فقد اعترفوا بالتنزيل، وسلموا جدلاً بأن القرآن منزل؛ ولكنهم يشترطون شرطاً للتصديق؛ هو ما يحكيه الله عنهم:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً..) [سورة الفرقان].

إنهم يشترطون عليه؛ بل يتمنون عليه أن ينزل القرآن جملة واحدة بلا تأخير وترتيل، ولا تفصيل؛ لكن الله يؤكد أن هذا هو الحق الذي يتم به التنزيل؛ فقال:

(كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا(32)) [سورة الفرقان].

ثم يضيف الله:

(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا(33)) [سورة الفرقان].

فالله هو الذي يتولى الرد عليهم في الحوار، وهو الذي يتولى دحض حججهم بالحق وبأحسن الوجوه التي يقبلها العقل، وعليه؛ فإن على الرسول أن يثبت على السبيل، وأن يكون على يقين بأن القرآن هو الهادي إلى الحق وأنه هو الدليل، فهو مرسل به إلى العالمين، وهو به مستنير؛ وكذلك كل من آمن به من الناس في كل مكان، ولا يضر المؤمنين من كفر؛ بل هو يضر نفسه ولها خسر؛ أما القرآن فقد بين البصائر لمن استبصر: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا(50)) [سورة الفرقان].

لكن الله قد قرر أن القرآن هو الهدى للناس أجمعين، فما على الرسول إلا أن يستمر على البلاغ، (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا(51)) [سورة الفرقان]، (فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)) [سورة الفرقان]. وهذا الجهاد الكبير هو مهمة الرسول ومن اتبعه في كل جيل، وإلا فكيف يصح أن نسمى مسلمين، ونحن لا نرفع راية القرآن في كل زمان، وعلى كل مكان، بل نتوارى خجلاً وكأن علوم الناس هي البيان، مع أن الناس إنما يتبعون الظن؛ بل إن حياتهم كلها جهل وأوهام؛ ما داموا بعيدين عن هدى الله العلام، ولأنهم كذلك فالله يقول لرسوله ولكل من اتبع هدى الله:

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116)) [سورة الأنعام].

إذن فإن هدى الله هو الهدى، وكلمة الله هي العليا، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)) [سورة الأنعام].

ورغم ذلك فإن المكذبين يستمرون في المراء، ويواصلون اقتراحاتهم التي يمليها الهوى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا). أي: لن نختار نحن الآيات على ربك فاخترها أنت ونحن قابلون بما تجتبي وتختار، لكن الله يتولى الرد عليهم هكذا: (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(203)) [سورة الأعراف].

فالرسول لا يقدر على الآيات ولا يقترح، بل يتبع ويبلغ الوحي من ربه للناس، وفيه البصائر والنور، والرحمة والهدى للمؤمنين في كل العصور، وما على الناس إلا الاستماع بوعي، والإنصات برغبة، لينالوا الرحمة:

(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)) [سورة الأعراف].

فإذا لم يعوا، وإذا لم يسمعوا بإنصات وإخبات؛ فقد خابوا من رحمة الله وأصبحوا في ظلمات، وكيف لا والقرآن هو البصائر والهدى والرحمة متواليات، وهي للعالمين من رب العالمين ميسرات، في سور القرآن البينات: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ(185)) [سورة الأعراف].

 موسيقى

وبعد أيها الأعزاء، فإن السؤال قد جاء فاستمعوه بإصغاء؛

ستجدون في الجزء الثالث عشر من القرآن الكريم ، آية لا تخفى على القلب السليم، تعلن للنبي أنه بالكتاب المنزل إليه من الله يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.