القرآن في القرآن (12): إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم من عباد الله الصالحين آمين..وبعد:

السلام عليكم أيها المستمعون ورحمة الله ومرحباً بكم إلى رحاب القرآن كتاب الله، فهو السبيل إلى السلام والنجاة.

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)) [سورة الإسراء].

فمن اهتدى به فهو يعمل الصالحات، وهو مبشر بأجمل البشارات، فما هو نقيض المهتدي به؟!

البيان في الآية التالية وهو قوله تعالى: (وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(10)) [سورة الإسراء].

فمن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يعمل الصالحات، ولكنه يطغى ويسرف ويقترف السيئات، وهذا هو بسبب جهله بالقرآن، ونفوره من الآيات؛ فالجاهلون الذين لا يعقلون؛ هم الذين للقرآن لا يعرفون؛ أما من أقبل عليه وآمن؛ فإنه العالم المحسن، والمسلم الموقن، وهو الذي مع الأبرار في عليين.

ألا فلنسابق إلى هذا المقام، ولنتنافس في هذا العطاء الذي يبقى على الدوام، والسبيل إلى ذلك هو الكتاب الموصوف بقوله تعالى:

(وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(2)مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا(3)) [سورة الكهف].

إنه الهدى، وإنه البصائر للملأ، والكافر به هو الأعمى؛

(هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(20)) [سورة الجاثية].

فإذا استبصر الناس فهم على سبل السلام والنور وإلى الرحمة سائرون، وإذا تعاموا فهم إلى سوء المصير آيبون، فالفريقان لا يستوون؛

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)) [سورة الجاثية].

وكيف لا يكون حكمهم سيئاً، وحسبانهم غافلاً، والله هو الحق، ويقضي بالحق؛ (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(22)) [سورة الجاثية].

أتدرون أن الخالق العليم، والحاكم الحكيم، هو المنزل هذا القرآن العظيم؟!

أتدرون ماذا سخر لكم وماذا تفضل عليكم؟!

استمعوا كيف يوضح لكم:

(اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(12)وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(13)) [سورة الجاثية].

فما معنى يتفكرون؟!

يعني أنه إذا كان الله هو الذي سخر البحر ومكن الإنسان من صناعة الفلك، وسهل لها أن تجري في البحر، وإذا كان الله هو الذي سخر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض من ماء وهواء، وليل وضياء، وأقمار ونجوم، وكواكب وشموس ومجرات، وكل ما نعلمه وما لا نعلمه من النعم والخيرات؛ فكيف لا ينزل علينا القرآن لنهتدي به في هذه المسخرات، ولننال من خيرها ما لا يمكن أن نناله إلا بإذن الله الذي خلق وسخر، وهدى ويسر، وإلا فإن كل شيء يستعصي ويتعسر؛ فالله لا يهدي من كفر، فهو يقول لمن تفكر:

(حم(1)تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(2)إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(5)) [سورة الجاثية].

إن معنى هذه الآيات؛ أن الإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض، وفي خلق نفسه وفي خلق كل الحيوانات، ثم تفكر في الماء الذي ينزل من السماء فيحيي كل ميت في الأرض؛ فإنه لا بد أن يوقن أن الكتاب المنزل من الله هو أهم وأسهل، وأنه الحياة التي لا تذبل، وهو الرزق الذي لا يتبدل، فهو من الله العزيز الحكيم.

وهذا هو ما أدركه الجن قبل الناس، فأقبلوا على القرآن سامعين مطيعين، وله مبلغين؛ (فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29)قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)) [سورة الأحقاف].

ألم أقل لكم أن علينا أن نبلغ القرآن إلى الناس، فها هم الجن بلغوه إلى قومهم في الحال، ودعوهم إلى إجابة داعي الله وبشروا وأنذروا، وهذا هو واجب المؤمنين في كل زمان ومكان، فالقرآن قد أنزل للعالمين، بل أنزل للإنس والجن أجمعين، وكذلك أرسل كل المرسلين إلى الإنس والجن، ولهذا سمعنا الجن يخبرون أن القرآن أنزل مصدقاً لما جاء به موسى، وهذا يدل على أنهم كانوا مؤمنين بموسى وبالتوراة، لكنهم استجابوا للقرآن فكان يهود الجن أرق قلبواً من يهود الإنس؛ ذلك أن بعض بني إسرائيل لم يؤمنوا لا بما أنزل إليهم ولا بما أنزل إلينا بل أكثرهم كافرون (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(32)) [سورة الأحقاف] صدق الله العظيم.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد جاء؛

ستجدون في الجزء الثاني عشر من القرآن، آية كريمة تستغرب على الكافرين قولهم أن الرسول افترى القرآن، وتطلب منهم إن كانوا صادقين الإتيان بمثل بعضه في البيان؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.