القرآن في القرآن (11): وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم.

لقد كان لنا وقفة مع أهمية حمل القرآن إلى العالمين، وعرفنا أن العرب هم المعنيون بهذه المهمة، فلقد نزل الكتاب بلغتهم؛ ولا بد أن يعملوا على نشرها في العالم ليستطيع الناس فهم كتاب الله المنزل للعالمين.

إن علينا أن نعد الرجال، ونرصد الأموال، ونواصل الترحال لحمل هذا القرآن إلى الناس كافة، وأن ندعوهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)) [سورة يوسف].

هكذا يعلم الله رسوله أن يعلنها مهمة يحملها هو ومن اتبعه إلى يوم الدين، وعلى أي حال فإن قضية اليوم هي أن القرآن حجة الله على الناس، فمن اتبعه وعمل به فهو إلى الجنة مآله، ومن نسيه أو استهزأ به فهو          إلى جهنم مآله.

إن أول ما يسأل عنه الناس يوم القيامة هو القرآن أو الأصح آيات الله التي أنزلها على رسله في كل زمان.

(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ(40)) [سورة الأعراف].

وإذا لم يدخلوا الجنة أبداً فأين مصيرهم؟!

الجواب هو: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(41)) [سورة الأعراف].

فإذا كانوا في جهنم فإن حالهم هو كما تشاهدون في الآية وكما يصفها الرحمن: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ(50)) [سورة الأعراف]. 

من هم هؤلاء الكافرون؟.

(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(51)) [سورة الأعراف].

فالجحود بالآيات هو السبب في هذه الحالة المهينة وعندها لا تنفعهم الحسرات، وكيف لا وقد جاءتهم البينات؛

(وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(52)هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) [سورة الأعراف]. يعني هل ينظرون إلا رؤية ما وعدهم به من العذاب. فإذا جاء صدقوا، ولكن حين لا ينفع التصديق؛ ولهذا يقول الله:

(يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(53)) [سورة الأعراف].

نعم لقد خسر الناسون للقرآن أنفسهم وكانت جهنم هي مآلهم، وذلك هو الخسران المبين، وإذن فإن علينا أن نقرأ القرآن وأن نعمل به ونستجيب لله لننال رحمة الله؛ (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)) [سورة الأعراف].

ولهذا فإن الجن حينما حضروا لاستماع القرآن كان هذا هو أدبهم:

(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا..(29)) [سورة الأحقاف].

إنهم يعرفون أن الانصراف عنه حسرة لهم وسؤال يوم القيامة؛

(يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ(130)) [سورة الأنعام].

وهذا هو ما يخشاه الجن والإنس الصالحون الآن، فهم يقرؤون القرآن ويعملون به في يقين وإحسان، ويخافون أن يكونوا من الكافرين الذين قيل عنهم:

(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ(71)) [سورة الزمر].

إنهم يعترفون بالرسل والآيات ويعرفون أن كلمة العذاب قد حقت عليهم فلم يبق إلا أن يذوقوا ما استحقوا؛

(قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ(72)) [سورة الزمر].

إن المتكبرين هم الذين يعرفون الحق ويعرضون مستهزئين، يعلمون أن آيات الله هي السبيل إلى السلام فتشغلهم شهواتهم عن الاستجابة ويظنون أن عندهم من العلم ما يغني عن آيات الله، وذلك هو الاستكبار واتباع الهوى، (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7)يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(8)) [سورة الجاثية].

هذا نوع من الناس، لكن هناك نوعاً أطغى وهو يعلم الآيات ويستهزئ (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(9)مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(10)) [سورة الجاثية].

ألم أقل لكم أن من عرف القرآن واستكبر، وعلم الآيات وتغافل فإن النار له المآل، وأن الجنة لمن آمن به وسعى بصالح الأعمال.

موسيقى

وبعد أيها الأعزاء، قد حان سؤال اليوم فاستعدوا؛

ستجدون في الجزء الحادي عشر من القرآن، آية تنفي عن القرآن الافتراء والريب، وتؤكد أنه تصديق لما سبق، وتفصيل للكتاب الحق؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.