القرآن في القرآن (10): بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم.

ولقد كان الله ذا فضلٍ على الناس لما اختار اللغة العربية من بين اللغات لتكون حاملة إلينا علم الله وحكم الله في قرآن مبين. ولقد عرفنا سر اختيار هذه اللغة لهذه المهمة العظيمة، إن السر هو ما أخبرنا الله به وهو اللطيف الخبير، فقال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)) [سورة يوسف]، وقال: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ(194)بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)) [سورة الشعراء].

وإذن فاللغة العربية لسان مبين، والبيان وسيلة ليعقل الإنسان ما يريده منه الرحمن، فسبحان الله القائل: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1)) [سورة الفرقان].

نعم إنه للعالمين، فكيف يمكن أن يعقله العالمون، وكيف يمكن أن يعرفه الناس أجمعون ولغاتهم مختلفة عن لغة القرآن؛ إن هذا هو السؤال الذي لا بد أن يقف أمامه العرب بإمعان.

يجب أن يعرف العرب وقد نزل القرآن بلغتهم أنهم الوعاء الذي سيحمله إلى العالمين، الله يقول لرسوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(28)) [سورة سبأ].

ويقول لرسوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86)إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)) [سورة ص].

هكذا هو شأن القرآن، وهذا هو هدفه أنه للعالم أجمع رغم اختلاف لغاتهم وألوانهم، فكيف يمكن أن يصل إليهم؟.

إن الجواب يأتي من الله الذي يقول: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(1)) [سورة الجمعة].

إن هذا الإله الذي يسبح له كل شيء وهو العزيز الحكيم، هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم، والأميون هنا هم العرب، فهو قد بعث فيهم ولم يقل إليهم، فهم الوعاء الذي يعي ويحمل ، ولهذا قال بعد ذلك:

(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(2)) [سورة الجمعة].

فالرسول يبلغ ويعدهم للمهمة العظمى ويخرجهم بإذن الله من الضلال إلى الهدى، فعليهم أن يحملوه إلى من يخلفهم أولاً منهم ثم إلى العالم من حولهم، ولهذا قال: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3)) [سورة الجمعة].

والآخرون هم نحن ومن تقدمنا ومن يأتي بعدنا، وهذا تكليف عظيم     لا بد أن نعي معناه وننهض به، فهو فضلٌ من الله يحمد عليه، ولهذا قال: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(4)) [سورة الجمعة].

إن تكليفك يا عربي يا أمي بهذه المهمة فضلٌ عظيم، ونعمةٌ كبرى يجب أن تنهض بها حامداً، وأن تؤدي أمانتها مجاهداً، وإلا فأنت ظالم لنفسك وخاسرها، فلقد سبق أن تفضل الله على أمم قبلك فتراخوا عن المهمة فكانوا كما يقول الله:

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5)) [سورة الجمعة].

فهل تريد أيها العربي الأمي أن تكون ممن لم يحلموا الكتاب ويكون مثلك مثلهم، إن ذلك يعني أنك مكذب بآيات الله، وإن هدى لله قد منع عنك لأنك ظالم لنفسك معرض عن مهمتك مقصر في أمانتك.

أن المهمة عظيمة، وإن حملها فضلٌ من الله عظيم، وإذا كان العرب لا يدركون هذا الفضل فإنهم غافلون؛ ألا يسمعون قول الله لرسوله: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(43)وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(44)) [سورة الزخرف].

ويقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)) [سورة يوسف].

ويقول مخاطباً رسوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)) [سورة هود].

إن هذه الآيات المتعددة الأساليب، الموحدة الهدف؛ تدل على أن المهمة هامة، والأمانة عظيمة، والحمولة ضخمة، وهي لمن نكث قاصمة؛ فالله يقول: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99)مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا(100)خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا(101)) [سورة طه].

إنني أكرر أن العرب هم وحدهم المسئولون عن حمل هذه الرسالة العظيمة، وهو فضلٌ من الله عظيم علينا أن نفرح به، وأن نعد الرجال، ونرصد الأموال، لنقل هذا العلم إلى العالم بلغة القرآن، فبدون لغة القرآن لا يعقل الإنسان، علينا أن ننفر خفافاً وثقالاً ونجاهد بأموالنا وأنفسنا في سبيل الله لهذه المهمة، فهي الجهاد الأكبر، وهو الذي له الأثر في إخراج الناس من الظلمات إلى النور؛ وإلا فإننا سنتعرض يوم القيامة للسؤال، استمعوا الرسول وهو يعلن ذلك: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)) [سورة الفرقان].

فلماذا يشكو بقومه فقط وهو مرسل للعالمين، ومرسل للناس كافة؟.

إن السبب أن العرب هم المسئولون وحدهم؛ لأنهم الوعاء الذين اختارهم الله لهذه المهمة، وعلينا أن نفرح بها وعلى المهمة نستقيم.

(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(4)) [سورة الجمعة].

موسيقى

وبعد أيها الأعزاء، فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء العاشر من القرآن، آية كريمة واضحة البيان، تخبرنا أن المنافقين يظهرون حذرهم من تنزيل سوره عما في قلوبهم، وما ذلك إلا استهزاء منهم؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.