القرآن في القرآن (9): إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم من هذا اللقاء المعنون [القرآن في القرآن].

اليوم لنا سؤال هام هو: لماذا اختار الله اللغة العربية لتكون منزلاً بها القرآن؟

إنه سؤالٌ يجب أن يُسأل، وجوابه لا بد أن يقال. ولكن الجواب قد جاء مختصراً في القرآن، فلقد قال الله عن القرآن:

(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ(194)بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)) [سورة الشعراء].

فاللسان العربي أي اللغة العربية لسانٌ مبين، به يتبين الكلام و تتضح المعاني وتبلغ الكلمة إلى هدفها بإفصاح ٍووضوح، فلا يكون بعد ذلك حجة لأحدٍ على الله، ثم إن الله يبين سبب الاختيار بأسلوبٍ آخر ينظر إلى النتيجة فيقول في سورة يوسف:

(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)).

لقد اختار الله اللغة العربية لأنها مبينة، والبيان فيها يؤدي إلى أن يعقل الناس ما يريده الله رب العالمين، فإذا عقلوه وفهموا المراد فإن الحجة عليهم، فلقد جاءهم البيان والبرهان، وجاءهم النور وهم معرضون، لكن إعراضهم وغفولهم لا يعني عدم تذكيرهم، بل لا بد أن يذكرهم ربهم عسى أن يتنبه من عنده قلب ويعود إلى ربه وإليه يرغب، ولهذا يقول الله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3)وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ(4)أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ(5))[سورة الزخرف].

إذن فالبيان صفة الكتاب، واللسان العربي المبين هو الوسيلة لوصول هذا البيان إلى الإنسان؛ لعله يسمع ويعقل ثم يؤمن ويعمل (حم(1)تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2)كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3))[سورة فصلت].

فهو مفصل كامل البيان؛ لأنه عربي اللسان، وبهذا فإنه يحمل العلم الرباني للإنسان؛ فإذا علم الإنسان اتقى الله وخشي الرحمن، وذلك هو مفتاح الجنان (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(27)قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(28)) [سورة الزمر].

فإذا تذكروا أي عرفوا ما فيه وعلموه فإن التقوى هي النتيجة وبها يسعد الإنسان في الدنيا والأخرى، وذلك هو الفوز العظيم.

وهكذا فإن البيان من الله رب العالمين قد جاءك يا أيها الإنسان، والهدى قد أتى إليك من الرحمن (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)) [سورة الجاثية]، (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(138)) [سورة آل عمران].

وبعد فقد يسأل سائل ويقول: لماذا كانت اللغة العربية مبينة دون غيرها؟.

لكن السؤال قد لا يحتاج إلى جواب؛ لأن اختيار الله العليم الخبير لهذه اللغة لتكون لغة القرآن حجة لا مراء فيها، على تفوق اللغة العربية على سواها، ثم إنه وصف اللسان العربي بأنه مبين، وكفى بشهادة الله شهادة فهو خير الشاهدين؛ وكيف لا وهو الذي خلق الإنسان، وخلق لغات الإنسان، بل لقد جعلها آية من آياته فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(22)) [سورة الروم].

فالألسنة المراد بها اللغات، وعلى أي حال فإن الجواب على السؤال، قد يكون من باب الكمال؛ فنقول: إن اللغة العربية اتصفت بالبيان لعدة أسباب هي: أولاً: أنها أوسع اللغات في المفردات، وهذه المفردات واسعة الدلالات، ثانياً: امتيازها بثروة اشتقاقية ضخمة في المصادر والأفعال وما تفرع منها، ثالثاً: أن دلالات الحروف فيها عميقة شفافة، فكل معنى له حرف خاص به، وكلها تمكن المتكلم من التعبير عن معانٍ جميلة واسعة لا تستطيع غيرها من اللغات التعبير عنها فتبارك الذي نزل الفرقان، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ..(9)) [سورة الإسراء]، (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)) [سورة الشعراء]، والحمد له في كل حالٍ وحين، فلقد تفضل على الناس بهذا الكتاب المبين، (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)) [سورة ص] صدق الله العظيم.

وبعد أيها الأعزاء، فإن السؤال الآن؛

ستجدون في الجزء التاسع من القرآن، آية كريمة يعرفها كل إنسان، تعلن أن الإنصات لقراءة القرآن، سبيل إلى رحمة الرحمن؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.