القرآن في القرآن (8): أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى من سبقه منهم أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم.

لقد عرفنا أن الناس؛ بل الإنس والجن عاجزون عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو حتى بسورةٍ من مثله، وسيستمرون عاجزين حتى يوم الدين.

قد يسأل سائل؛ لماذا يعجز الناس أجمعون في كل مكانٍ وحين، عن الإتيان بمثل ذلك؟!

والجواب واضح البيان، فالقرآن منزلٌ من الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، ومن الذي يعلم السر وأخفى، وله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، إنه الله علام الغيوب؛ فهو القادر على أن يحيط بأوسع المعاني وأجمل الدلالات، بأقل وأجمل الكلمات، وهو القادر على أن يأتي بالمعنى العميق، في اللفظ القليل الدقيق. أما البشر بل أما الخلق كلهم؛ فإنهم ضعفاء يعتريهم النوم والهم والغفلة والألم، وهم مع ذلك محدودٌ علمهم فلا يعلمون إلا ما علمهم ربهم، حتى الملائكة (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)) [سورة البقرة].

ثم إن البشر محدودة أعمارهم، فهم ميتون ولا يستطيع من يموت أن يعلم بكل الملكوت، بل إن كثيراً عليه يفوت، وهكذا كان الأمر واضحاً بأن البشر باستمرار لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، فهو (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا(4)الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5)) [سورة طه].

فليس أمام الناس، بل الإنس والجن إلا الإيمان بالقرآن؛ لينالوا من علم ربهم ما يجعلهم في أمانٍ واطمئنان. (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)) [سورة الرعد].

إن الذي يدرك هذه الحقيقة يتأكد له أن الإنسان محتاج إلى ربه فقير، وأنه يعجز عن البيان والتعبير؛ فإذا عبر فإن عباراته تختلف من حال إلى حال، ومن مجال إلى مجال، بل قد تختلف أفكاره، وتتعدد آراؤه في موضوع واحد، لكن الله منزه عن هذا سبحانه وتعالى عما يصفون (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(74)) [سورة النحل].

ولهذا فإن الله يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)) [سورة النساء].

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)) [سورة محمد].

وعلى أي حال؛ فإنه بعد هذا الجواب؛ قد يسأل سائل لماذا كان التحدي للناس أن يأتوا بعشر سورٍ ثم بسورة واحدة؟! ولماذا لم يكن التحدي بالإتيان بآية واحدة أو عشر آيات؟!

والجواب هو أن المطلع على أساليب اللغة العربية، والخبير بأسرار البلاغة، يعرف أن بلاغة الكلام المبين، وسلامة الأسلوب الرصين، لا تتضح للسامعين؛ إلا بعدد كبير من الجمل والفقرات، وبطائفة واسعة من الألفاظ والكلمات؛ تتناول واحداً من الموضوعات؛ بذلك يتضح البيان وتتجلى القدرة على نظم الكلمات، واختيار الأسلوب الصادق الدلالات، المشع بالمعاني الرائعات. أما حين يأتي الكلام مجزأ الفقرات، فإنه يمزق المعاني والدلالات، ولهذا كان العرب لا يحكمون على شاعر بأنه متفوق إلا بقصائد متعددة؛ لا بأبيات متفرقة، ولا يعترفون لخطيب بأنه مصقع إلا إذا سمعوه في عدة خطابات واسعة الفقرات، لا بكلمة أو كلمات، وهكذا كان التحدي للناس بسورة كاملة، لا بآية واحدة، ففي السورة تتضح أسرار البلاغة وتتجلى دلائل الإعجاز.

قد يقول قائل: فقد جاءت سور قصيرة لا تتجاوز الثلاث الآيات ومع ذلك كانت معجزة بليغة البيان مثل سورة الكوثر وسورة العصر؛ لكنا نقول: إن السورتين قد اكتمل موضوعهما وبان مؤداهما، وكان ذلك هو المطلوب، وقد جاء بأوضح البيان في أوجز الكلام، فسبحان الله العلام.