القرآن في القرآن (5): وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله، وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى عباد الله الصالحين،، آمين وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بكم إلى حلقة اليوم، ونبدأ بأن نقول:

إن القرآن كما عرفنا أمس يحمل في آياته معاني وبركات ليلة القدر، فهو مبارك وسلام، وهو نور وهدى للأنام. وهو الخير كل الخير لأنه يخلد صاحبه في جنات النعيم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، ماكثين فيه أبداً.

وعليه فإن المؤمن الصالح العامل بالقرآن يعيش أيام عمره ولياليه وكلها ليلة قدر، فليلة القدر معك طول العام، وخيراتها وبركاتها تتوالى عليك في نورٍ وسلام حتى نهاية العمر، بل وتستمر حتى يوم الحشر، فإذا أنت من المفلحين الآمنين، الفائزين بجنات النعيم، فنعم أجر العاملين (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)) [سورة المطففين].

هذا هو ما عرفناه أمس، واليوم ماذا سنعرفه عن القرآن:

إن القرآن يزخر بأجمل وأسمى المعاني عن القرآن. ويكفي أن نعرف اليوم أن الله سبحانه وتعالى كلما تحدث عن القرآن في القرآن فإنه يتبع الحديث بعدد من أسمائه الحسنى الدالة على أن منبع هذا الكتاب منبع غني بالمعاني الرفيعة السامية، زاخر بالصفات العظيمة الوفية، ولن نطيل المقال، بل سنأتي بالدليل والأمثال، ففي سورة آل عمران يقول الله:

(الم(1)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3)مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(4)) [سورة آل عمران]، فهو الحي القيوم، وهذا يعني أن القرآن حياة، وأنه قيم، ويهدي إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على العلم والقدرة، ولهذا فإنه يؤكد ذلك ويقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(6)) [سورة آل عمران].

وفي سورة هود يقول: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)).

وفي سورة الرعد يقول: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ(1)).

ثم يتبع هذه البداية يذكر عدداً من ميزات الله وقدراته فيقول: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)).

وهكذا تتوالى السور وهي تشير إلى عظمة منزل هذا الكتاب وتؤكد على علمه وقدرته وفضله ورحمته وتدبيره وحكمته، ولو تتبعنا السور كلها لطال المقال، ولكنا سنختار ما يفيد في الموضوع ونترك الباقي للمستمع الواعي ليعرف ذلك بوضوح.

ففي سورة طه يقول الله:

(طه(1)مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2)إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3)تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا(4)الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5)لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى(6)وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى(8)).

أسمعتم كيف هي صفات الله الذي أنزل القرآن؟! أشاهدتم كيف مقام الله الذي أنزل القرآن؟! إنه الله الخلاق القدير، وهو المدبر الخبير، وهو العليم بكل ظاهر وباطن وكبير وصغير.

وكما أنه يعلم ما تحت الثرى، فإنه يا أيها الإنسان يعلم سرك وأخفى، ومن هذا شأنه فهو الذي يعلم حاجتك ويلبيها، وكيف لا وهو الذي له الأسماء الحسنى، فالهدى منه هو الهدى وهو الفلاح في الدنيا والأخرى، لأن آياته هي النور الذي يتلألأ، فاستمع كيف يتحدث عن آياته، (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(34)) [سورة النور].

ثم يتبع هذه الآية بقوله:

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(35)) [سورة النور].

إذن فالآيات نور من نور الله الذي يملأ الأرض والسماء، وبه تدوم وتبقى، وهي علم من علم الله الذي هو بكل شيء عليم، ولهذا فإنه يؤكد هذا المعنى في سورة النمل حين يقول لرسوله: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ(6)) [سورة النمل].

وفي سورة غافر يقول: (حم(1)تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(2)).

نعم إنه منزل من الحكيم العليم، ومن العزيز العليم، فهو الحكمة والعزة، وهو العلم كل العلم للإنسان عبر الزمان، وهل هناك علم لأحد من الخلق غير ما علمه الله، حتى الملائكة اعترفوا لله بذلك؛

(قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)) [سورة البقرة].

وهكذا هو الإنسان لا علم له إلا من ربه (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78)) [سورة النحل].

فيا إنسان لقد كرمك الله بذلك، فاستعمل سمعك وبصرك والفؤاد للعلم، واقرأ القرآن لتكون به لربك شاكراً؛

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)) [سورة القلم].

إذن فالقرآن قرين العلم، والعلم الحق هو القرآن لأنه من الله الرحمن.

وبعد أيها الأعزاء فقد حان السؤال:

ستجدون في الجزء الخامس من القرآن آية كريمة تبدأ بالاستفهام وتدعو المرتابين إلى تدبر القرآن؛ ليعرفوا أنه كامل البيان؛

نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً. والسلام عليكم ورحمة الله..